للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كان معنى الصفات معلوم في لغة العرب، وإلا لما قال مالك رحمه الله تعالى «الاستواء معلوم، ولكان أول من يحتج كفار قريش عن هذا الذي يزعم أن القرآن عربي وهو آت بما لا يفهمونه، ولذلك فإن أهل السنة المتبعون لنبيهم يقتصرون على وصف الله بما وصف به نفسه دون الخوض في الكيفية التي هي من علم علام الغيوب، فالحقائق الواقعية التي تضمنتها آيات القرآن - والتي هي شيء وراء المعنى الذي يدركه الذهن عند سماع الخطاب - نوعان:

- نوع يمكن إدراكه، وهو حقائق ما جاء في القرآن مما يتعلق بالإنسان والكون المحيط به ذواتا وأفعالا، مثل ذلك قوله سبحانه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٨/ ١٢٩]، ففي الآية ذكر للرسول ووصف له بأنه رؤوف ورحيم، ومن نزل فيهم الوحي يعرفون معاني هذه الكلمات الثلاث، كما أنهم يدركون واقعها وهو الرسول نفسه محمد ورأفته ورحمته المتمثلتان في تصرفاته معهم».

- ونوع لا يمكن إدراكه، وهو حقائق الوجود الغيبي سواء كانت حقائق ذات الله وصفاته من حيث كنهها وكيفيتها، أو حتى حقائق العالم الغيبي مثل ما أعد الله للناس من ألوان النعيم والعذاب. فقوله سبحانه: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهر من ماء غير آسن وأنهر من لبن لم يتغير طعمه، وأنهر من خمر لذة للشاربين وأنهر من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥] اشتركت في الأسماء واختلفت في المعاني.

(ولا يحيط بأمره المتفكرون)؛ أي: ولا يحيط المتفكرون بشأنه سبحانه لقصور عقولهم عن إدراك جلاله، قال سبحانه: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما﴾ [طه: ١١٠]، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥] والله لة وتقدست أسماؤه

<<  <  ج: ص:  >  >>