الأرض، والكرسيّ وما فيه في العرش كحلقة ملقاة في فلاة" (١)، واللَّه تعالى أعلم. قال: ومقصود هذا الحديث الإغياء في تكثير الحمد والثناء. انتهى (٢).
(وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ) أي: لك، لا لغيرك، ففي تقديم المعمول إفادة الحصر والاختصاص (وَبِكَ آمَنْتُ) أي: بك لا بغيرك صدقت، ففيه ما تقدم قبله (وَلَكَ أَسْلَمْتُ) أي: انقدت، وخضعت، ولأمرك استسلمت (سَجَدَ وَجْهِي) أي: خضع، وذلّ، وانقَاد (لِلَّذِي خَلَقَهُ) أي: أوجده من العدم، وأسبغ عليه النعم (وَصَوَّرَهُ) أي: رَتَّبه على هيئة خاصة، كما شاءها.
قال الحافظ ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ- عند قوله تعالى:{هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} الآية [الحشر: ٢٤] ما نصه: الخلق: التقدير، والبَرْء هو الفَرْي، وهو التنفيذ، وإبراز ما قدّره، وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدّر شيئًا، ورتّبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-، قال الشاعر يمدح آخر (٣)[من الكامل]:
أي: أنت تُنَفِّذ ما خلقت؛ أي: قدّرت، بخلاف غيرك، فإنه لا يستطيع ما يريد، فالخلق التقدير، والفَرْي التنفيذ، ومنه يقال: قدّر الجَلَّادُ، ثم فَرَى؛ أي: قطع على ما قدّره بحسب ما يريده، وقوله تعالى:{الْخَالِقُ الْبَارِئُ} أي: الذي إذا أراد شيئًا قال له: "كن"، فيكون على الصفة التي يريد الصورة التي يختار، كقوله تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)} [الانفطار: ٨]، ولهذا قال:"المصور"؛ أي: الذي ينفّذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريد. انتهى (٤).
(وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ) أي: خلق فيه السمع والبصر، قال القرطبيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وقد يَحتجّ بإضافة السمع إلى الوجه من يقول: إن الأذنين من الوجه، فيُغسلان بغسله، ولا حجة فيه؛ لأنه يعارضه قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه"(٥)، فجعل الأذن غاية للرأس، فهي منه؛ لأنا
(١) صححه الشيخ الألبانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في "الصحيحة" ١/ ١٧٣ - ١٧٦. (٢) "المفهم" ٢/ ٤٥٢. (٣) البيت لزهير بن أبي سُلْمَى يمدح به هرم بن سنان. انتهى من هامش تفسير القرطبيّ ١٢/ ١١٠. (٤) "تفسير ابن كثير" ٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨. (٥) حديث صحيح، رواه مالك في "الموطّأ" (١/ ٣١)، والنسائيّ (١/ ٧٤)، وابن ماجه (٢٨٢).