من بين الحواسّ؛ لأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعا قَلّت الوساوس، ولأنّ تحصيل العلم النقليّ والعقليّ بهما (وَمُخِّي) بضمّ الميم، وتشديد الخاء المعجمة: الْوَدَك الذي في العظم، وخالص كلّ شيء، وقد يُسمّى الدماغ مُخًّا، قاله في "المصباح" (وَعَظْمِي وَعَصَبِي") بفتحتين: أطناب المفاصل، والجمع أعصاب، مثلُ سبب وأسباب.
والمعنى: خضع لك جسمي باطنًا كما خضع ظاهرًا، فكنى بهذه الثلاثة عن الجسم كلّه؛ لأن مدار قوامه عليها، والغرض من هذا كلّه المبالغة في الانقياد والخضوع للَّه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- (١).
وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- ما حاصله: إسناد الخشوع إلى هذه الأشياء كناية عن كمال الخشوع والخضوع؛ أي: قد بلغ غايته حتى ظهر أثره في هذه الأعضاء، وصارت خاشعةً لربها. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: معناه: أخذ كلُّ عضو من هذه الأعضاء حظّه من الخضوع والتذلّل؛ أي: سكنت، وافتقرت، وإن كان أصل الخشوع في القلب، لكن ثمرته تظهر على الجوارح والأعضاء، فسُمّي بذلك خُشُوعًا، كما قال تعالى:{تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً} الآية [فصلت: ٣٩]؛ أي: متذلّلةً مفتقرةً لما تَحيا به من الماء، أو يكون هذا على سبيل الإغياء (٣) والتشبيه، كما قال [من الكامل]: