وقال الحافظ - رَحِمَهُ اللهُ -: الإحفاء بالحاء المهملة، والفاء: الاستقصاء، ومنه:"حتى أَحْفَوه بالمسألة"، وقد ورد بلفظ:"أَنْهِكُوا الشوارب"، وبلفظ:"جُزّوا الشوارب"، وكل هذه الألفاظ تدلّ على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الجزّ قصّ الشعر والصوف إلى أن يبلُغ الجلد، والنهك: المبالغة في الإزالة، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - للخافضة:"أَشِمِّي، ولا تُنْهِكِي": أي لا تُبالغي في ختان المرأة. انتهى (١).
(الشَّوَارِبَ) منصوب على المفعوليّة، وهو: جمع شارب، وهو الشعر الذي يسيل على الفم، قال أبو حاتم: ولا يكاد يُثنّى، وقال أبو عبيدة: قال الكلابيّون: شاربان باعتبار الطرفين؛ قاله الفيّوميّ (٢).
وقال الجيّانيّ: وقع في كلامهم: إنه لعظيم الشوارب، وهو من الواحد الذي فرق، وسُمّي كلّ جزء منه باسمه، فقالوا لكلّ جانب منه: شاربًا، ثم جُمع شوارب، وحَكَى ابن سِيده عن بعضهم: من قال: الشاربان أخطأ، وإنما الشاربان ما طال من ناحية السَّبَلَة، قال: وبعضهم يُسمّي السَّبَلَة (٣) كلّها شاربًا، ويؤيّده أثر عمر - رضي الله عنه - الذي أخرجه مالك أنه كان إذا غضب فَتَلَ شاربه، والذي يمكن فَتْله من شعر الشارب السِّبَال، وقد سمّاه شاربًا؛ قاله في "الفتح".
وقال أيضًا: وأما الشارب فهو الشعر النابت على الشفة العليا، واختُلِفَ في جانبيه، وهما السبالان، فقيل: هما من الشارب، ويشرَع قصّهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية. انتهى (٤).
(وَأَعْفُوا اللِّحَى) بقطع الهمزة، ووصلها: أي وفّروها، قال ابن الأثير - رَحِمَهُ اللهُ -: إعفاء اللحية: أن يوفّر شعرها، ولا يُقَصّ كالشوارب، مِن عَفَى الشيءُ: إذا كثُر، وزاد، يقال: أعفيته، وعَفَيته. انتهى (٥).
(١) راجع "شرح النوويّ" ٣/ ١٥١، و"الفتح" ١٠/ ٣٦٢. (٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٠٨. (٣) "السَّبَلَة" محرّكةً: الدائرة في وسط الشفة العليا، أو ما على الشارب من الشعر، أو طرفه، أو مُجتَمَع الشاربين، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية كلّها، أو مقدّمها خاصّةً، جمعه: سِبَالٌ؛ قاله في "القاموس" ص ٩١١. (٤) ١٠/ ٣٦٢. (٥) "النهاية" ٣/ ١١٨.