وحسّنه:"لم يكن نبيّ بعد نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال"، وعند أحمد:"لقد أنذره نوح أمته، والنبيون من بعده"، أخرجه من وجه آخر، عن ابن عمر.
وقد استُشكل إنذار نوح قومه بالدجال، مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذُكرت، وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء، فيحكمَ بالشريعة المحمدية.
والجواب: أنه كان وقتُ خروجه أُخفي على نوح؛ ومن بعده، فكأنهم أُنذروا به، ولم يُذكر لهم وقت خروجه، فحذروا قومهم من فتنته.
ويؤيده قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في بعض طرقه:"إن يخرج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه"، فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه، وعلاماته، فكان يُجَوِّز أن يخرج في حياته -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم بُيّن له بعد ذلك حاله، ووقت خروجه، فأخبر به، فبذلك تجتمع الأخبار.
وقال ابن العربيّ: إنذار الأنبياء عليه السلام قومهم بأمر الدجال تحذير من الفتن، وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد، وكذلك تقريب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- له زيادةٌ في التحذير، وأشار مع ذلك إلى أنهم إذا كانوا على الإيمان ثابتين، دَفَعوا الشُّبَهَ باليقين (١).
(وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ) وفي رواية للبخاريّ: "ولكني سأقول لكم"، (فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ) قيل: إن السرّ في اختصاص النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالتنبيه المذكور، مع أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال، أن الدجال إنما يخرج في أمته، دون غيرها، ممن تقدم من الأمم، ودل الخبر على أن عِلم كونه يختص خروجه بهذه الأمة كان طُوِيَ عن غير هذه الأمة، كما طُوِي عن الجميع عِلم وقت قيام الساعة.