بأن الدجال غير ابن صياد، وطريقه أصحّ، وتكون الصفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدجال.
ثم أورد حديث فاطمة بنت قيس الآتي لمسلم في قصة تميم الداريّ، قال البيهقيّ: فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر -صلى اللَّه عليه وسلم- بخروجهم، وقد خرج أكثرهم، وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بعيد جدًّا؛ إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شِبْه المحتلم، ويجتمع به النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويسأله أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر، موثقًا بالحديد، يستفهم عن خبر النبيّ هل خرج أو لا؟ فالأَولى أن يُحْمَل على عدم الاطلاع، أما عمر فيَحْتَمِل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثم لمّا سمعها لم يَعُد إلى الحَلِف المذكور، وأما جابر فشهد حَلِفه عند النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، لكن أخرج أبو داود من رواية الوليد بن عبد اللَّه بن جُميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر، فذكر قصة الجساسة والدجال بنحو قصة تميم، قال: قال -أي: الوليد-: فقال لي ابن أبي سلمة: إن في هذا شيئًا ما حفظته، قال: شهد جابر أنه ابن صياد، قلت: فإنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة. انتهى.
وابن أبي مسلمة اسمه عمر فيه مقال، ولكن حديثه حسن، ويُتَعقَّب به على من زعم أن جابرًا لم يطّلع على قصة تميم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يتبيّن مما قرّره البيهقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فيما مضى من تحقيقه أن ابن صيّاد غير الدجال الموعود به آخر الزمان، لكنه أحد الدجاجلة الذين شملهم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وإن بين يدي الساعة دجالين، كذابين، قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبيّ"، فهو منهم يقينًا، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أنه قد تكلم ابن دقيق العيد -رَحِمَهُ اللَّهُ- على مسألة التقرير في أوائل "شرح الإلمام"، فقال ما ملخّصه: إذا أُخبر بحضرة النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمر ليس فيه حكم شرعيّ، فهل يكون سكوته -صلى اللَّه عليه وسلم- دليلًا على مطابقة ما في الواقع،