فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، ومع هذا فأخرجتهم الرحمة.
أقول: الحديث ليس من محل النزاع، فإنه في إخراج أقوام من النار، وهي باقية، وقد قرر شيخ الإسلام فيما سلف أنه لا يخرج منها الكفار، وهي باقية، وإن كان إنما استدل به عليه بعموم الرحمة.
ثم يقال: الحديث دلَّ على أن الملائكة أخرجت من علمت في قلبه مثقال ذرة من خير، ولا دليل أنهم يعلمون كل من في قلبه مثقال ذرة من خير، فإنهم لا يعلمون من أحوال القلوب إلا ما أعلمهم الله، كما قال تعالى: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)} [الانفطار: ١٢]، فهم يعلمون أفعالنا، لا ما انطوت عليه قلوبنا، ولهذا وردت الأحاديث أنهم يصعدون بالعمل يرونه حسنًا، ويُرَدّ، فيقول الله: إن فاعله أراد به كذا وكذا؛ أي: من الرياء ونحوه، فأخرج البزار، والظبرانيّ في "الأوسط"، والدارقطنيّ، والأصبهانيّ في "الترغيب والترهيب"
(١) (١٢٩) وتمامه: "من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا. . ." الحديث وهو من رواية أبي سعيد الخدري. وأخرجه أحمد أيضًا ٣/ ٩٤، والحاكم ٤/ ٥٨٣، وصححه ووافقه الذهبي وهو عنده مطول جدًّا. وفي طريق أخرى: "قال: ثم يتحنن الله برحمته على من فيها، فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها". أخرجه أحمد أيضًا ٣/ ١١ - ١٢، وصححه الحاكم ٤/ ٥٨٤ - ٥٨٦ على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي. ويشهد للحديث ما جاء في آخر حديث ابن مسعود الطويل في الشفاعة في "المستدرك" ٤/ ٦٠٠: "ثم قرأ عبد الله: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)} [المدثر: ٤٢] وقال بيده فعقده فقالوا: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)} [المدثر: ٤٣ - ٤٦] هل ترون في هؤلاء من خير؟ وما يترك فيها أحد فيه خير، فإذا أراد الله أن لا يخرج أحدًا غيّر وجوههم وألوانهم. . . فعند ذلك قالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)} [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨] فإذا قال ذلك انطبقت عليهم فلم يخرج منهم بشر". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". وردّه الذهبي بقوله: "قلت: ما احتجا بأبي الزعراء". قلت: واسمه عبد الله بن هانئ الكوفي، وثقه العجلي كما في "التقريب".