(فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ)؛ أي: ولو كان من الخزرج، إذا أمرنا النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك، وليست لكم قدرة على منعنا من ذلك، (فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ، تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ) أطلق أُسيد -رضي اللَّه عنه- ذلك مبالغة في زجره عن القول الذي قاله، وأراد بقوله:"فإنك منافق"؛ أي: تصنع صنيع المنافقين، وفسّره بقوله:"تجادل عن المنافقين"، وقابل قوله لسعد بن معاذ:"كذبت، لا تقتله" بقوله هو: "كذبت لنقتلنّه"، وقال المازريّ: إطلاق أسيد لم يُرِد به نفاق الكفر، وإنما أراد أنه كان يُظهر المودة للأوس، ثم ظهر منه في هذه القصة ضدّ ذلك، فأشبه حال المنافق؛ لأن حقيقته إظهار شيء، وإخفاء غيره، ولعل هذا هو السبب في تَرْك إنكار النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه.
(فَثَارَ)؛ أي: تناهضوا للنزاع، والعصبية، وأصله من ثار الشيء يثور: إذا ارتفع، وانتشر، ولفظ البخاريّ:"فتثاور" بمثناة، ثم مثلّثة، تفاعل من الثورة. (الْحَيَّانِ) بحاء مهملة، ثم تحتانية مشدّدة: تثنية حيّ، والحيّ القبيلة؛ أي: تناهضوا للنزاع والعصبية، وقوله:(الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ) بدل من "الحيان"، والمعنى: نهض الحيّان بعضهم إلى بعض من الغضب، ووقع في حديث ابن عمر:"وقام سعد بن معاذ، فسَلّ سيفه".
(حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا)؛ أي: حتى قصدوا المحاربة، وتناهضوا للنزاع، وزاد ابن جريج في روايته، في قصة الإفك هنا:"قال: قال ابن عباس: فقال بعضهم لبعض: موعدكم الحرّة"، أي: خارج المدينة؛ لتتقاتلوا هناك. (وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُخَفِّضُهُمْ)؛ أي: يتلطف بهم ليسكتوا (حَتَّى سَكَتُوا)؛ أي: الحيّان، (وَسَكَتَ) النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وفي رواية ابن حاطب:"فلم يزل يومئ بيده إلى الناس ها هنا، حتى هدأ الصوت"، وفي رواية فُليح:"فنزل، فخفّضهم، حتى سكتوا"، ويُحْمَل على أنه سكّتهم، وهو على المنبر، ثم نزل إليهم أيضًا ليكمل تسكيتهم، ووقع في رواية عطاء الخرسانيّ، عن الزهريّ:"فحجز بينهم".
(قَالَتْ) عائشة -رضي اللَّه عنها-: (وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ) وفي رواية البخاريّ: "فمكثت يومي ذلك"، (لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ)؛ أي: لا ينقطع، (وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ) كناية عن عدم نومها بالكلّيّة، زاد في رواية البخاريّ:"فأصبح أبواي عندي"؛ أي: أنهما