على الجهل، وفي رواية ابن ماهان هنا:"احتملته" بالحاء، والميم، وكذا رواه ومسلم بعد هذا من رواية يونس، وصالح، وكذا رواه البخاريّ، ومعناه: أغضبته، فالروايتان صحيحتان. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "ولكن احتملته الحمية" كذا للأكثر: "احتملته" -بحاء مهملة، ثم مثناة، ثم ميم- أي: أغضبته، وفي رواية معمر عند مسلم، وكذا يحيى بن سعيد عند الطبرانيّ:"اجتهلته" بجيم، ثم مثناة، ثم هاء، وصوّبها الوقشيّ؛ أي: حملته على الجهل. انتهى (٢).
(فَقَالَ) سعد بن عبادة (لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ) بفتح العين المهملة، هو البقاء، وهو العُمر بضمها، لكن لا يُستعمل في القسم إلا بالفتح، وقوله:(لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ) زاد في رواية للبخاريّ: "ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتَلَ"، قال في "الفتح": فسّرَ قولَهُ: "لا تقتله" بقوله: "ولا تقدر على قتله"؛ إشارةً إلى أن قومه يمنعونه من قتله، وأما قوله:"ولو كان من رهطك" فهو من تفسير قوله: "كذبت"؛ أي: في قولك: إن كان من الأوس ضربتُ عنقه، فنَسَبه إلى الكذب في هذه الدعوي، وأنه جزم أن يقتله إن كان من رهطه مطلقًا، وأنه إن كان من غير رهطه إن أُمر بقتله قتله، وإلا فلا، فكأنه قال له: بل الذي نعتقده على العكس بما نطقت به، وأنه إن كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل، ولكنه من غير رهطك، فأنت تحب أن يُقتل، وهذا بحسب ما ظهر له في تلك الحالة.
ونقل ابن التين عن الداوديّ أن معنى قوله:"كذبت، لا تقتله" أن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يجعل حكمه إليك، فلذلك لا تقدر على قتله، وهو حَمْل جيّد.
وقد بيّنت الروايات الأخرى السبب الحامل لسعد بن عبادة على ما قال، ففي رواية ابن إسحاق:"فقال سعد بن عبادة: ما قلت هذه المقالة، إلا أنك علمت أنه من الخزرج"، وفي رواية ابن حاطب:"فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ، واللَّه ما بك نصرة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهلية، وإِحَنٌ لم تُحْلَل لنا من صدوركم، فقال ابن معاذ: اللَّه أعلم بما أردتُ".