وصول الفرس إليّ، (فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ) حال كونه (يُبَشِّرُنِي) بقبول التوبة، وهو حمزة بن عمرو -رضي اللَّه عنه-، وقوله:(نَزَعْتُ لَهُ) جواب "لَمّا"، وما وقع في بعض النسخ بلفظ:"فنزعت" بالفاء، الظاهر أنه غلط؛ لأن جواب "لَمّا" لا يُقرن بالفاء، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(ثَوْبَيَّ) بتشديد الياء على التثنية، (فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتهِ)؛ أي: بسبب تبشيره إياي، ووقع عند البخاريّ بلفظ:"فكسوته إياهما ببشراه"، وهي الموافِقة للقاعدة؛ إذ الأفصح في باب كسى وأعطى، تقديم الآخذ على المأخوذ، وإن كان يجوز العكس (١).
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: فيه استحباب إجازة البشير بخِلْعة، وإلا فبغيرها، والْخِلْعة أحسن، وهي المعتادة. انتهى.
(واللَّه مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ) قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: يريد من جنس الثياب، وإلا فقد تقدّم أنه كان عنده راحلتان، وسيأتي أنه استأذن أن يخرج من ماله صدقةً، ثم وجدت في رواية ابن أبي شيبة التصريح بذلك، ففيها:"وواللَّه ما أملك يومئذ ثوبين غيرهما"، وزاد ابن عائذ من وجه آخر عن الزهريّ:"فلبسهما"(٢).
(وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ) في رواية الواقديّ: "من أبي قتادة"، (فَلَبِسْتُهُمَا) فيه جواز العارية، وجواز إعارة الثوب للُّبس، قاله النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (٣).
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وكِسوته للبشير ثوبيه، مع كونه ليس له غيرهما دليل على جواز مثل ذلك، إذا ارتجى حصول ما يستبشر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بأمور الخير، والدين، وجواز البذل والهبات عندها، وقد نَحَر عمر -رضي اللَّه عنه- لمّا حَفِظ "سورة البقرة" جَزورًا. انتهى (٤).
(فَانْطَلَقْتُ)؛ أي: ذهبت من بيتي، حال كوني (أتَأَمَّمُ)؛ أي: أقصد، وهي لغة في أمّم، قال الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أمّه أمًّا، من باب قتل: قَصَده، وأمّمه،