الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (١)؛ والمعنى: أنه عزم أن لا يتكلّم عند رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا بالصدق، فإنه الذي يُنجيه يوم القيامة.
وفي رواية ابن أبي شيبة:"وعرفت أنه لا ينجيني منه إلا الصدق".
(وَصَبَّحَ)؛ أي: أتى صباحًا، أو بمعنى صار، ولفظ البخاريّ:"وأصبح" وهو بمعناه، قال المجد -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أصبح: دخل في الصباح، وبمعنى صار، وصبّحهم: أتاهم صباحًا، كصَبَحهم بالتخفيف، كمنعهم. انتهى بتصرّف (٢). (رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَادِمًا) المعنى: أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قادمًا صباحًا، أو صار قادمًا صباحًا، (وَكَانَ) -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ أي: كان هديه (إِذَا قَدِمَ) بكسر الدال المهملة؛ أي: أتى (مِنْ سَفَرِ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ) النبويّ قبل دخوله منزله (فَرَكَعَ فِيهِ)؛ أي: صلّى في المسجدَ (رَكْعَتَيْنِ) تحيّة المسجد، وفي رواية أحمد من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب:"لا يَقْدَم من سفر إلا في الضحى، فيبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، ويقعد"، وفي رواية ابن أبي شيبة:"ثم يدخل على أهله"، وفي حديث أبي ثعلبة عند الحاكم، والطبرانيّ:"كان إذا قَدِم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم يَثني بفاطمة، ثم يأتي أزواجه"، وفي لفظ:"ثم بدأ ببيت فاطمة، ثم أتى بيوت نسائه". (ثُمَّ جَلَسَ) في المسجد (لِلنَّاسِ)؛ أي: لأجل أن يسلّم عليه أصحابه؛ لِغَيبته عن المدينة هذه المدّة.
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: إنما كان -صلى اللَّه عليه وسلم- يفعل ذلك؛ ليبدأ بتعظيم بيت اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة اللَّه تعالى عليه في سلامته، وليسلّم عليه الناس، ولِيَسُنّ ذلك في شرعه -صلى اللَّه عليه وسلم-. انتهى (٣).
(فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ)؛ أي: البدء بالمسجد، وصلاة ركعتين فيه، ثم الجلوس للناس، (جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ) بتشديد اللام، اسم مفعول من خُلِّف؛ أي: أُخّر؛ أي: الذين خلّفهم النفاق، ومرض القلب عن الخروج مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- للغزو، (فَطَفِقُوا) بكسر الفاء، وتُفتح؛ أي: شرعوا، وأخذوا (يَعْتَذِرُونَ)؛ أي: يقيمون العذر في تخلّفهم عن تلك الغزوة (إِلَيْهِ) -صلى اللَّه عليه وسلم-، (وَيَحْلِفُونَ لَهُ) على أنهم صادقون