يمدح غيره، لا أن المراد: يحب أن يمدحه غيره. انتهى (١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هو الصواب؛ إذ هو ظاهر النصّ، فتأمل بالإمعان، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قوله: "ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه تعالى": حقيقة هذا مصلحة للعباد؛ لأنهم يُثنون عليه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فيثيبهم، فينتفعون، وهو سبحانه غنيّ عن العالمين، لا ينفعه مدحهم، ولا يضرّه تَرْكهم ذلك، وفيه تنبيه على فضل الثناء عليه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وتسبيحه، وتهليله، وتحميده، وتكبيره، وسائر الأذكار. انتهى (٢).
وقوله:(وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ) قال ابن بطّال -رَحِمَهُ اللَّهُ-: معناه ما ذُكر في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}[الشورى: ٢٥]، فالعذر في هذا الحديث: التوبة والإنابة. انتهى (٣).
وقال في "العمدة": قوله: "العذر" مرفوع؛ لأنه فاعلُ "أحبّ"، قال الكرمانيّ: المراد بالعذر: الحجة؛ لقوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)} [النساء: ١٦٥]، وقال صاحب "التوضيح": العذر: التوبة، والإنابة. انتهى (٤).
وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قوله: "أحب إليه العذر. . . إلخ" قال القاضي: يَحْتَمِل أن المراد: الاعتذار؛ أي: اعتذار العباد إليه من تقصيرهم، وتوبتهم من معاصيهم، فيغفر لهم كما قال تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}[الشورى: ٢٥].
وقوله:(مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أنزَلَ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ")؛ أي: من أجل أنه يحبّ العذر أنزل الكتاب، والمراد جنسه، فيشمل القرآن، والتوراة، والإنجيل، وأرسل الرسل؛ أي: جميع المرسلين الذين أرسلهم لإرشاد الخلق إلى الحقّ.
وقال المناويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: جمع بين محبة المدح والعذر الموجبين لكمال
(١) "فيض القدير" ٥/ ٣٦١. (٢) "شرح النوويّ" ١٧/ ٧٧ - ٧٨. (٣) "شرح ابن بطال لصحيح البخاريّ"٢٠/ ٩٠. (٤) "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" ٣٦/ ٦٤.