فوجدت صبيًّا، فأخذته، فألزمته بطنها"، وعُرف من سياقه أنها كانت فقدت صبيّها، وتضررت باجتماع اللبن في ثديها، فكانت إذا وجدت صبيًّا أرضعته؛ ليخفّ عنها، فلما وجدت صبيّها بعينه أخذته، فالتزمته، قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذا الصبيّ، ولا على اسم أمه. انتهى (١).
(فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَتَرَوْنَ) بضم الفوقية؛ أي: تظنون، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح التاء، وهو أيضًا بمعنى: تظنّون (٢). (هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً)؛ أي: ملقيةً (وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ "، قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ)؛ أي: لا نظن أنها طارحة، وقال القسطلانيّ: أي: لا تطرحه (وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ)؛ أي: لا تطرحه طائعة أبدًا، وقال الطيبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: الواو للحال، وصاحبها مقدَّر؛ أي: لا تكون طارحةً حال قدرتها على أن لا تطرح، وفائدة الحال: أن المرأة إذا استطاعت أن تحفظ الولد، ولم تضطرّ إلى طرحه بذلت جهدها فيه، واللَّه منزّه عن الاضطرار، فلا يطرح عبده في النار البتة. انتهى (٣). (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "للَّهُ) بفتح اللام أوله، وهي لام التأكيد، وصرَّح بالقَسَم في رواية الإسماعيليّ، فقال:"واللَّه للَّه أرحم. . . إلخ". (أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ)؛ أي: المؤمنين، أو مطلقًا، (مِنْ هَذِهِ) المرأة (بِوَلَدِهَا") قال في "الفتح": كأن المراد بالعباد هنا: من مات على الإسلام، ويؤيده ما أخرجه أحمد، والحاكم، والبزار ورجالهم رجال الصحيح، من حديث أنس -رضي اللَّه عنه-، قال: مَرّ النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في نفر من الصحابة، وصبيّ على الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعي، وتقول: ابني ابني، وَسَعَتْ فأخذته، فقال القوم: يا رسول اللَّه، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، فقال: "ولا اللَّهُ بطارح حبيبه في النار"، فالتعبير بحبيبه يُخرج الكافر، وكذا من شاء إدخاله ممن لم يَتُبْ من مرتكبي الكبائر.
(١) "الفتح" ١٣/ ٥٤١. (٢) ذكر في "حاشية الخضريّ" ١/ ١٣٢: أن الغالب في استعمال "رأى" بمعنى "ظنّ" أن تكون بصيغة المبنيّ للمفعول، وقد تكون بصيغة المبنيّ للفاعل، وتتعدى لمفعولين في الحالتين. انتهى بتصرّف. (٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٦/ ١٨٦٤.