ابن عمر -رضي الله عنهما-، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال:"إذا خلق الله النسمة، قال ملك الأرحام: أي: رب أذكر أم أنثى؟ قال: فيقضي الله إليه أمره، ثم يقول: أي رب أشقيّ أم سعيد؟ فيقضي الله إليه أمره، ثم يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتى النكبة يُنكبها"(١)، وقد ورد موقوفًا عن ابن عمر غير مرفوع، وحديث حذيفة بن أسيد المتقدّم صريح في أن الملك يكتب ذلك في صحيفته، ولعله يكتب في صحيفته، ويكتب بين عيني الولد.
وقد رُوي أنه يقترن بهذه الكتابة أنه يُخلق مع الجنين ما تضمنته من صفاته القائمة به، فرُوي عن عائشة -رضي الله عنها-، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال:"إن الله إذا أراد أن يخلق الخلق بعث ملكًا، فدخل الرحم، فيقول: أيّ رب ماذا؟ فيقول: غلام، أو جارية، أو ما شاء أن يخلق في الرحم، فيقول: أيّ رب أشقيّ أم سعيد؟ فيقول ما شاء، فيقول: أيّ رب ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا، فيقول: ما خُلُقه؟ ما خلائقه؟ فيقول: كذا كذا، فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم"، خرّجه أبو داود في "كتاب القدر"، والبزار في "مسنده"(٢).
وبكل حال فهذه الكتابة التي تُكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلْق الخلائق المذكورة في قوله تعالى:{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} الآية [الحديد: ٢٢]، كما في "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال:"إن الله قَدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة"، وفي حديث عبادة بن الصامت، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال:"أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة"، وقد سبق ذِكر ما رُوي عن ابن مسعود -رضي الله عنه-؛ أن الملك إذا سأل عن حال النطفة أُمر أن يذهب إلى الكتاب
(١) رواه البزّار (٢١٤٩)، وأبو يعلى (٥٧٧٥)، وصححه ابن حبّان (٦١٧٨). (٢) رواه أبو داود في "القدر"، والبزّار من طريق جعفر بن مصعب، عن عكرمة بن الزبير، عن عائشة، وجعفر بن مصعب لم يوثّقه غير ابن حبّان، ولم يرو عنه غير الزبير بن عبد الله بن أبي خالد، وقال البزّار: لا نعلمه يروي عن عائشة إلا بهذا الإسناد، وقال الهيثميّ في "المجمع" ٧/ ١٩٣: رواه البزّار، ورجاله ثقات.