وأخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكثر في دعائه أن يقول:"اللَّهُمَّ يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك"، فقلت: يا رسول الله، أَوَ إن القلوب لتتقلب؟ قال:"نَعَم ما من خَلْق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله -عز وجل-، فإن شاء -عز وجل- أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب"، قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلّمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال:"بلى، قولي: اللَّهُمَّ رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأَجِرْني من مُضِلات الفتن ما أحييتني"(١).
وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.
وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:"إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل- كقلب واحد يصرفه حيث يشاء"، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك". انتهى المقصود مما كتبه ابن رجب -رحمه الله- تعالى (٢).
١٩ - (ومنها): أن قدرة الله تعالى لا يوجبها شيء من الأسباب إلا بمشيئته، فإنه لم يجعل الجماع علّةً للولد؛ لأن الجماع قد يَحصُل ولا يكون الولد حتى يشاء الله ذلك.
٢٠ - (ومنها): أن الشيء الكثيف يحتاج إلى طول الزمان، بخلاف اللطيف، ولذلك طالت المدة في أطوار الجنين حتى حصل تخليقه، بخلاف نَفْخ الروح، ولذلك لَمّا خلق الله الأرض أوّلًا عَمَد إلى السماء فسوّاها، وترك
(١) أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٢ وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد تُكلّم فيه، والحقّ أنه حَسَن الحديث كما قال البخاريّ، ولا سيما رواية عبد الحميد بن بهرام كما هنا، وقد صرّح بأنه سمع أم سلمة -رضي الله عنها- تحدّث بهذا الحديث، وقد حققت هذا البحث في غير هذا الموضع من هذا الشرح وغيره. (٢) راجع: "جامع العلوم والحكم" ١/ ١٧٢ - ١٧٥، بتحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس.