وقال القرطبيّ رحمه الله: قد تقدَّم أن التقوى مصدر (٢) اتَّقَى تُقَاةُ، وتَقْوى، وأن التاء فيه بدلٌ من الواو؛ لأنَّه من الوقاية، والمتّقي: هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه من المكروه وقاية تقيه منه، ولذلك يقال: اتّقى الطعنة بدَرَقَته، وبِتُرْسه، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، "ولو بكلمة طيبة"، متّفق عليه؛ أي: اجعلوا هذه الأمور وقاية بينكم وبين النار. وعلى هذا فالمتّقي شرعًا: هو الذي يخاف الله تعالى، ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته، وحاجزًا عن مخالفته، فإذًا أصل التقوى: الخوف، والخوف إنما يَنشأ عن المعرفة بجلال الله تعالى، وعظمته، وعظيم سلطانه، وعقابه، والخوف والمعرفة محلهما القلب، والقلب محلّه الصدر، فلذلك أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى صدره، وقال:"التقوى ها هنا"، والله تعالى أعلم.
والتقوى خصلة عظيمة، وحالة شريفة آخذة بمجامع علوم الشريعة، وأعمالها، موصلة إلى خير الدنيا والآخرة.
والكلام في التقوى، وتفاصيلها، وأحكامها، وبيان ما يترتب عليها يستدعي تطويلًا، قد ذكره أرباب القلوب في كتبهم المطوّلة (٣).
(هَا هُنَا")؛ أي: في هذا المكان؛ فـ"هاهنا" اسم إشارة للمكان القريب، ويشار للبعيد مع الكاف، كما قال في "الخلاصة":