للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

[فإن قلت]: حصلت الموافقة له في أشياء غير هذه الثلاث، منها في أسارى بدر حيث كان رأيه أن لا يَفْدُون فنزل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: ٦٧] ومنها في مَنْع الصلاة على المنافقين فنزل: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: ٨٤] ومنها في تحريم الخمر، ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي من حديث حماد بن سلمة: حدثنا علي بن زيد، عن أنس قال عمر: وافقت ربي في أربع … وذَكَر ما في البخاري، قال: ونزلت: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)} [المؤمنون: ١٢] إلى قوله: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} فقلت أنا: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: ١٤] فنزلت كذلك، ومنها في شأن عائشة -رضي الله عنها- لمّا قال أهل الإفك ما قالوا، فقال: يا رسول الله من زوّجكها؟ فقال: الله تعالى، قال: أفتنظر أن ربك دلَّس عليك فيها، {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: ١٦]، فأنزل الله ذلك، ذَكَره المحب الطبري في أحكامه، وقد ذكر أبو بكر بن العربي أن الموافقة في أحد عشر موضعًا، قلت: يشهد لذلك ما رواه الترمذي مصحَّحًا من حديث ابن عمر: ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه، وقال فيه عمر رضي الله تعالى عنه إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر -رضي الله عنه-، وهذا يدل على كثرة موافقته. فإذا كان كذلك فكيف نص على الثلاث في العدد؟ قلت: التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد، وقيل: يحتمل أنه ذكر ذلك قبل أن يوافق في أربع وما زاد وفيه نظر؛ لأنَّ عمر أخبر بهذا بعد موت النبي فلا يتجه ما ذكر من ذلك، ويقال: يحتمل أن الراوي اعتنى بذكر الثلاث دون ما سواها لغرض له.

(في مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ)؛ أي: في اتخاذه مصلّي، وفي رواية البخاريّ عن أنس، قال: "قال عمر وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلي، فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لوأمَرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهنّ البرّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتَمَع نساء النبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الغيرة عليه، فقلت لهنّ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ}، فنزلت هذه الآية. انتهى (١).


(١) "صحيح البخاريّ" ١/ ١٥٧.