للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الطريق بين جبلين، والظاهر بقاء هذا اللفظ على ظاهره، ويكون معناه: أن الشيطان يهابه، ويجانبه؛ لِمَا يَعْلم من هيبته، وقوَّته في الحقِّ، فيفرُّ منه إذا لقيه، ويكون هذا مثل قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحديث الآخر: "إن الشيطان لَيَفْرَق منك يا عمر، (١)؛ ويعني بالشيطان: جنس الشياطين، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مثلًا لبُعده عنه، وأنه لا سبيل له عليه، والأَوَّل أولى. انتهى (٢).

قال الجامع عفا الله عنه: بل الثاني هو الأَولى؛ لظاهر النصّ، فتنبَّه، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ -رَحِمَهُ اللهُ- ما خلاصته: فيه فضيلة عظيمة لعمر -رضي الله عنه-؛ لأن هذا الكلام يقتضي أن لا سبيل للشيطان عليه، إلا أن ذلك لا يقتضي وجوب العصمة؛ إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان من أن يشاركه في طريق يسلكها، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحَسَب ما تصل إليه قدرته. انتهى (٣).

وتعقّب العينيّ كلام الحافظ هذا، فقال: هذا موضع تأمل؛ لأنَّ عدم سلوكه الطريق الذي يَسلك فيه عمر -رضي الله عنه- إنما كان لأجل خوفه، لا لأجل معنى آخر، والدليل عليه ما رواه الطبرانيّ في "الأوسط" من حديث حفصة -رضي الله عنها- بلفظ: "إن الشيطان لا يَلْقَى عمر منذ أسلم إلا خَرّ لوجهه"، فالذي يكون حاله مع عمر هكذا كيف لا يُمنع من الوصول إليه لأجل الوسوسة؟ وتمكنُ الشيطان من وسوسة بني آدم ما هو إلا بأنه يجري في عروق بني آدم مثل ما يجري الدم، فالذي يهرُب منه، ويخرّ على وجهه إذا رآه كيف يجد طريقًا إليه؟ وما ذاك إلا خاصّة له، وَضَعها الله فيه؛ فضلًا منه، وكَرَمًا، وبهذا لا نَدَّعي العصمة؛ لأنها من خواص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام. انتهى كلام العينيّ -رَحِمَهُ اللهُ- (٤).

قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العينيّ -رَحِمَهُ اللهُ- وجيهٌ، خلاصته أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- خصَّ عمر -رضي الله عنه- بفراره منه، فلا يتمكّن من وسوسته، إلا أن ذلك لا يستلزم


(١) حديث صحيح، رواه أحمد في "مسنده، ٥/ ٣٥٣.
(٢) "المفهم" ٦/ ٢٥٩.
(٣) راجع: "الفتح" ٨/ ٣٨٢.
(٤) "عمدة القاري" ١٦/ ١٩٦.