لأبي بكر -رضي الله عنه-، وفيه إشارة قويّة إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر.
وقد ادَّعَى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسدّ كناية عن طلبها، كأنه قال: لا يطلبنّ أحد الخلافة إلا أبا بكر، فإنه لا حرج عليه في طلبها، وإلى هذا جنح ابن حبان، فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا دليل على أنه الخليفة بعد النبيّ -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه حَسَمَ بقوله:"سُدُّوا عني كل خَوخة في المسجد" أطماع الناس كلهم عن أن يكونوا خلفاء بعده، وقَوَّى بعضهم ذلك بأن منزل أبي بكر كان بالسُّنْح من عوالي المدينة، فلا يكون له خَوخة إلى المسجد.
قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسُّنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كان له إذ ذاك زوجة أخرى، وهي أسماء بنت عميس بالاتفاق، وأم رومان على القول بأنها كانت باقية يومئذ.
وقد تَعقَّب المحبّ الطبريّ كلام ابن حبان، فقال: وقد ذَكر عُمر بن شَبّة في "أخبار المدينة" أن دار أبي بكر التي أُذن له في إبقاء الْخَوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يُعطيه لبعض من وفد عليه، فباعها، فاشترتها منه حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم، فلم تزل بيدها إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان، فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد، فامتنعت، وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك دارًا أوسع منها، ونجعل لك طريقًا مثلها، فسَلَّمت، ورضيت.
وقوله:"إلا باب أبي بكر" زاد الطبرانيّ من حديث معاوية في آخر هذا الحديث بمعناه: "فإني رأيت عليه نورًا"(١)، والله تعالى أعلم.