"فذُعِرَ عندها موسى -عليه السلام- ذَعْرَةً منكرةً"؛ أي: فَزِعَ فَزَعًا شديدًا عند هذه الفعلة التي هي قَتْله الغلام، وعند ذلك لم يتمالك موسى أن بادر بالإنكار، تاركًا للاعتذار، فقال:(أقتلت نفسا زاكية) هذه قراءة العامة، وقرأه الكوفيون، وابن عامر (زكيّة) بغير ألف، وتشديد الياء، قال ثعلب: الزكية: أبلغ، قال أبو عبيد: الزكية في الدين، والزاكية في البدن، قال الكسائي: هما بمعنى واحد؛ كقاسية، وقسيَّة، وقرأ ابن عباس: مُسْلمة، قال أبو عمرو: التي ما حلَّ ذنبها، وقال ابن جبير: يريد على الظاهر (١).
({بِغَيْرِ نَفْسٍ})؛ يعني: أنها لم تقتل نفسًا، فتستحقّ القتل بها ({لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا}) أشدَّ المنكر، وأفحشه، قاله قتادة، وفيه لغتان: ضم الكاف، وسكونها، وقرئ بهما، وهذه بادرة من موسى -عليه السلام- تَرَك بها كل ما كان التزم له من الصبر، وتَرْك المخالفة؛ لكن حَمَله على ذلك استقباح ظاهر الحال، وتحريم ذلك في شَرْعه، ولذلك قال النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: "وهذه أشدُّ من الأُولى"(٢).
وقال القرطبيّ المفسّر: اختلف الناس أيهما أبلغ (إمْرًا)، أو قوله:{نُكْرًا} فقالت فرقة: هذا قتل بَيِّن، وهناك مترقب، فـ {نُكْرًا} أبلغ.
وقالت فرقة: هذا قتل واحد، وذاك قتل جماعة فـ (إِمْرًا) أبلغ.
قال ابن عطية: وعندي أنهما لمعنيين، وقوله:(إِمْرًا) أفظع، وأهول من حيث هو متوقَّع عظيم، {نُكْرًا} بَيِّن في الفساد؛ لأن مكروهه قد وقع، وهذا بيّن (٣).
({قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ}) قيل: إنما ذكر (لك) في هذه المرة، ولم يذكرها في الأُولى مقابلة له على شدّة في هذه الكرَّة؛ فإنَّ مقابلته بـ (لك) مع كاف خطاب المفرد يُشعر بذلك، والله أعلم.
({إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)} قَالَ) -صلى الله عليه وسلم-: (وَهَذِهِ)؛ أي: هذه الصيغة، وهي قوله:"ألم أقل لك" بزيادة "لك"، (أَشَدُّ مِنَ الأُولَى)؛ أي: من الصيغة الماضية، فإنها:"ألم أقل" بدون "لك". (قَالَ) موسى -عليه السلام- ({إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ