وقد أخطأ من قال: أَبردوها، بقطع الألف، وفي الرواية الأخرى:"فأطفئوها"، بالهمزة رباعيًّا، من أطفأ. انتهى (١).
وقال النوويّ -رحمه الله-: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الحمى من فيح جهنم فابرُدوها بالماء"، وفي رواية:"من فَوْر جهنم" هو بفتح الفاء فيهما، وهو شدّة حرّها، ولهبها، وانتشارها، وأما "فابرُدوها" فبهمزة وصل، وبضم الراء، يقال: بَرَدتُ الحمَّى أبرُدها بَرْدًا، على وزن قتَلتها أقتُلها قَتْلًا؛ أي: أسكنت حرارتها، وأطفأت لهبها، كما قال في الرواية الأخرى:"فأطفئوها بالماء"، وهذا الذي ذكرناه من كونه بهمزة وصل، وضم الراء، هو الصحيح الفصيح المشهور في الروايات، وكُتُب اللغة، وغيرها، وحَكَى القاضي عياض في "المشارق" أنه يقال: بهمزة قطع، وكَسْر الراء في لغة، قد حكاه الجوهريّ، وقال: هي لغة رديئة. انتهى (٢).
وقوله:(بِالْمَاءِ) قال ابن القيّم -رحمه الله-: فيه قولان: أحدهما: أنه كل ماء، وهو الصحيح، والثاني: أنه ماء زمزم، واحتَجّ أصحاب هذا القول بما رواه البخاريّ في "صحيحه" عن أبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة، فأخذتني الحمى، فقال: أبردها عنك بماء زمزم، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"إن الحمى من فيح جهنم، فابْرُدُوها بالماء، أو قال: بماء زمزم"، وراوي هذا قد شكّ فيه، ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكة بماء زمزم؛ إذ هو متيسِّر عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء.
قال: ثم اختَلَفَ من قال: إنه على عمومه، هل المراد به الصدقة بالماء، أو استعماله؟ على قولين، والصحيح أنه استعماله، وأظن أن الذي حَمَل من قال: المراد الصدقة به أنه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمى، ولم يفهم وجهه، مع أن لقوله وجهًا حسنًا، وهو أن الجزاء من جنس العمل، فكما