(فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْمَةً) قال في "العمدة": "ضَرَبَ" يُستعمل لمِعانٍ كثيرة، وأصل التركيب يدلّ على الإيقاع، والباقي يُستعمل، ويُحمل عليه، وههنا المعنى: نَصَب خيمة، وأقامها على أوتاد مضروبة في الأرض، والخيمة: بيت تبنيه العرب من عِيدان الشجر، والجمع خَيْمات، وخِيَمٌ، مثل بَدْرة وبِدَر، والخيم: مثل الخيمة، والجمع خيام، مثل فَرْخ وفِراخ، وعند أبي نعيم الأصبهانيّ:"ضَرب له النبيّ - صلى الله عليه وسلم - خباء في المسجد"، والخباء واحد الأخبية، من وَبَر، أو صوف، ولا يكون من شَعر، وهو على عمودين، أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. انتهى (١).
(فِي الْمَسْجِدِ)؛ أي: النبويّ، وقول بعض الشرّاح (٢): "أي: في المصلى الذي اتّخذه في ديار بني قريظة" فيه نظر لا يخفى، والصواب ما قدّمته، كما هو ظاهر من سياق القصّة، فإن سعدًا لم يذهب إلى قريظة إلا بعد استدعائه - صلى الله عليه وسلم - له؛ للحكم عليهم.
ومما يوضّح ذلك رواية أبي عوانة في "مسنده"، ولفظه:"فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيمة في المسجد؛ ليداويه، وليعوده من قريب، فلما رجع رسول - صلى الله عليه وسلم - الله من الخندق، وضع السلاح، ثم اغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام، قد عصب رأسه الغبارُ فقال: قد وضعت السلاح، فوالله ما وضعت الملائكة، فاخرج إلى القوم … " الحديث (٣).
فهذا نصّ في كون ضَرْب الخيمة في المسجد النبويّ، لا في بني قريظة؛ لأنه قَبْل خروجه إليهم قطعًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله:(يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، فكأنه قيل هنا: لماذا ضرب الخيمة في المسجد؟، فأجيب:"يعوده"؛ أي: يزوره من مكان قريب منه - صلى الله عليه وسلم -، ولفظ البخاريّ:"ليعوده من قريب"، وَيحتمل أن تكون جملة "يعوده" حاليّة.
(فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْخَنْدَق، وَضَعَ السِّلَاحَ)، وفي بعض
(١) "عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ" ٧/ ١٢٧. (٢) هو: الشيخ الهرريّ. (٣) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٢٦٢.