مُرّيًّا (١)، وتحولت عن حال الخمر جاز، وخالفه محمد بن الحسن في المري، وقال: لا يعالج الخمر بغير تحويلها إلى الخلّ وحده.
قال أبو عمر: الصحيح عندي في هذه المسألة ما قاله مالك في رواية ابن القاسم، وابن وهب عنه، والدليل على ذلك ما رواه الثوريّ، عن السّدّيّ، عن أبي هبيرة، عن أنس، قال: جاء رجل إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وفي حجره يتيم، وكان عنده خمر له حين حُرِّمت، فقال: يا رسول الله نصنعها خلًّا؟ قال:"لا"، فصَبَّها حتى سأل الوادي.
وروى مُجالد، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: كان عندي خمر لأيتام، فلما نزل تحريم الخمر أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نهريقها.
ثم أخرج بسنده عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-؛ أن أبا طلحة سأل النبيّ -صلى الله عليه وسلم- عن أيتام وَرِثُوا خمرًا، قال:"أهرقها"، قال: أفلا أجعلها خلًّا؟ قال:"لا"(٢).
ثم أخرج أيضًا عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخمر تُتخذ خلًّا؟ قال:"لا".
وأخرج عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت الآية التي في سورة المائدة، سألنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلنا: إنها ليتيم، فقال:"أهريقوها".
ثم قال بعد أن ساق أحاديث في هذا المعنى: فهذه الآثار كلُّها تدل على أن من وَرِثَ خمرًا من المسلمين، وصارت بيده أهرقها، ولم يحبسها، ولا يخلّلها، وذلك دليل على فساد قول من قال: يخللها، فأما إذا تخللت من ذاتها بغير صنع آدميّ، فقد رُوي فيها عن عمر ما تَسْكُن النفس إليه، وقال به مالك، والشافعيّ، وأكثر فقهاء الحجاز.
قال: واحتَجّ العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء، وهو حديث يُرْوَى عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي الدرداء، من وجه ليس بالقويّ أنه يأكل
(١) "الْمُرّيّ": الذي يُؤتدم به، كأنه نسبة إلى الْمرّ، ويُسمّيه الناس الْكَامَخ، قاله في "المصباح" ٢/ ٥٦٨. (٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في "سننه" ٣/ ٣٢٦.