وقوله:(ثَمَرًا) هو المفعول الثاني لـ"بعتُ"(فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي: أصابت ذلك الثمرَ آفةٌ، قال القرطبيّ - رحمه الله -: الجائحة ما اجتاحت المالَ، وأتلفته إتلافًا ظاهرًا؛ كالسيل، والمطر، والحرق، والسرق، وغلبة العدوّ، وغير ذلك، مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا.
وقال أيضًا في موضع آخر: واختلف أصحابنا - يعني المالكيّة - في حدّها، فرُوي عن ابن القاسم أنها ما لا يمكن دفعه، وعلى هذا الخلاف، فلا يكون السارق جائحة، وكذا في كتاب محمد، وفي الكتاب: إنه جائحة، وقال مطرّفٌ، وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثمرة من السماء، من عَفَنٍ، أو برد، أو عطش، أو حرّ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ، والجيش ليس بجائحة، وفي رواية ابن القاسم: إنه جائحة. انتهى (٢).
وقال ابن قُدامة - رحمه الله -: الجائحة كل آفة، لا صُنع للآدمي فيها، كالريح، والبرد، والجراد، والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده، عن جابر: أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قضى في الجائحة، والجائحة تكون في البرد، والجراد، وفي الحبق، والسيل، وفي الريح. وهذا تفسير من الراوي لكلام النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فيجب الرجوع إليه.
وأما ما كان بفعل آدمي، فقال القاضي: المشتري بالخيار، بين فسخ العقد، ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه، ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه أمكن الرجوع ببدله، بخلاف التالف بالجائحة. انتهى (٣).
(فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأخُذَ مِنْهُ) أي: من أخيك (شَيْئًا) هذا صريح في تحريم أخذه، فهو دليل واضح في وجوب وضع الجائحة، كما سيأتي تحقيقه قريبًا (بِمَ تَأخُذُ مَالَ أَخِيكَ) أي: في مقابلة الثمر الذي أصابته الجائحة.
وقوله:(بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ") تأكيد للإنكار في أخذه، وذلك أن أخذه للثمن في مقابلة الثمر الهالك يكون أخذًا بغير حقّ؛ إذ لم يأخذ هو مقابله.