(فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -) الفاء للتعليل، أي لأنه - صلى الله عليه وسلم - (بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ) اسم فاعل من صَلَق - بالصاد المهملة، والقاف -: أي التي ترفع صوتها بالبكاء عند المصيبة، ويقال فيه بالسين المهملة بدل الصاد (وَالْحَالِقَةِ) اسم فاعل من حلق الشعر، أي التي تحلق رأسها عند المصيبة (وَالشَّاقَّةِ) اسم فاعل من شقّ الشيءَ: إذا قطعه، أي تقطع ثوبها عند المصيبة.
قال القاضي عياض - رَحِمَهُ اللهُ -: قال المازريّ: قال أبو عبيد: الصالقة بالصاد، والسين، والسَّلَق: هو الصوت الشديد، من قوله تعالى:{سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ}[الأحزاب: ١٩]، قال الهرويّ: فـ "الصالقة": التي ترفع صوتها في المصيبات، و"الحالقة": التي تَحْلِق شعرها عند المصيبات، قال غيره: و"الشاقّة": التي تشقّ ثوبها في تلك الحال، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر:"ليس منّا من شَقَّ الجيوب"(١)، قال غيره: وُيبيّن تفسير الصالقة قوله في نفس الحديث: "فأقبلت امرأته برَنَّة"، فقال لها هذا الكلام، وهو معنى "دعوى الجاهليّة" في الحديث الآخر، قال أبو زيد: و"الصَّلَق": الْوَلْوَلةُ بالصوت الشديد، وذُكر عن ابن الأعرابيّ أنه ضرب الوجه، فإذا كان على هذا، فيُفسِّرُهُ إذن الحديثُ الآخر:"ليس منّا من ضَرَبَ الخدود"، يريد عند المصيبة. انتهى كلام القاضي (٢).
وقال النوويّ في "شرحه": قوله: "الصالقة، والحالقة، والشاقّة"، وفي الرواية الأُخرى:"أنا بريء ممن حَلَقَ، وسَلَقَ، وخَرَقَ"، فـ "الصالقة" وقعت في الأصول بالصاد، و"سَلَقَ" بالسين، وهما صحيحان، وهما لغتان: السَّلَق، والصَّلَق، وسَلَقَ، وَصَلَقَ، وهي صالقةٌ، وسالقة، وهي: التي ترفع صوتها عند المصيبة، و"الحالقة": هي التي تَحْلِق شعرها عند المصيبة، و"الشاقة": التي تَشُقّ ثوبها عند المصيبة، هذا هو المشهور الظاهر المعروف، وحَكَى القاضي عياض، عن ابن الأعرابيّ أنه قال:"الصَّلَق": ضرب الوجه (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) حديث متّفقٌ عليه من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، تقدّم للمصنّف أول الباب. (٢) "إكمال المعلم" ١/ ٤٥٠ - ٤٥١. (٣) "شرح النووي" ٢/ ١١٠.