قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في هذه المسألة بحثٌ نفيسٌ جدًّا، وخلاصته أن الصحيح أن المدينة حرم ما بين لابتيها، وأنه لا يجوز صيدها، ولا شجرها، فمن صاد فيها، أو قطع الشجر جاز لمن وجده أن يأخذ منه سلبه؛ لحديث سعد بن أبي وقّاص -رضي اللَّه عنهما- هذا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": وقع في حديث جابر -رضي اللَّه عنه- عند أحمد:"وأنا أُحرِّم المدينة ما بين حرتيها"، فادّعَى بعض الحنفية أن الحديث مضطربٌ؛ لأنه وقع في رواية:"ما بين جبليها"، وفي رواية:"ما بين لابتيها"، وفي رواية:"مأزميها".
وتُعُقِّب بأن الجمع بينهما واضح، وبمثل هذا لا تُرَدّ الأحاديث الصحيحة، فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح، ولا شك أن رواية:"ما بين لابتيها" أرجح؛ لتوارد الرواة عليها، ورواية "جبليها" لا تنافيها، فيكون عند كل لابة جبل، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة الشرق والغرب، وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضرّ، وأما رواية "مأزميها" فهي في بعض طرق حديث أبي سعيد، والمأزم بكسر الزاي: المضيق بين الجبلين، وقد يطلق على الجبل نفسه.
واحتَجّ الطحاويّ بحديث أنس في قصة أبي عُمير:"ما فَعَلَ النُّغَير؟ " قال: لو كان صيدها حرامًا ما جاز حبس الطير.
وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحلّ، قال أحمد: من صاد من الحلّ، ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله؛ لحديث أبي عُمير، وهذا قول الجمهور، لكن لا يَرِدُ ذلك على الحنفية؛ لأن صيد الحلّ عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم.
ويَحْتَمِل أن تكون قصة أبي عُمير كانت قبل التحريم.
واحتَجَّ بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد، ولو كان قطع شجرها حرامًا ما فعله -صلى اللَّه عليه وسلم-
وتُعُقّب بأن ذلك كان في أول الهجرة، وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه -صلى اللَّه عليه وسلم- من خيبر كما سيأتي في حديث أنس -رضي اللَّه عنه- واضحًا.