قال العينيّ -رحمه الله-: حاصل الكلام أن الرواية على وجهين: من قال: "وإما أن يقاد" بالقاف، من الْقَوَد، وهو القصاص، قال فيما قبله:"إما أن يُعْقَ"، بالعين والقاف، من العقل، وهو الدية، ومن قال:"وإما أن يُفادَى" بالفاء، من المفاداة، قال فيما قبله:"إما أن يُقْتَلَ" بالقاف والتاء المثناة من فوقُ، وهو القتل الذي هو القود. انتهى (١).
(فَقَالَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطّلب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - (إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا) أي: لأنه تُسَدّ به فُرَجُ اللحد المتخلِّلة بين اللبنات (وَبُيُوتنَا) أي: لأنه يُسَقَّف به البيت فوق الخشب، وقيل: كانوا يخلطونه بالطين؛ لئلا يتشقق إذا بُنِي به كما يُفْعَل بالتبن.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - "إِلَّا الإِذْخِرَ") بكسر الهمزة: نبتٌ طيّب الرائحة.
(فَقَامَ أَبُو شَاهٍ) -بشين معجمة، وهاء بعد الألف، في الوقف والدرج، ولا يقال: بالتاء، قالوا: ولا يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يُعْرَف بكنيته، وهو كلبيّ يمنيّ، وفي "المطالع": وأبو شاه مصروفًا ضبطته وقرأته أنا معرفة ونكرة، وعن ابن دِحية أنه بالتاء منصوبًا، وقال النوويّ: هو بهاء في آخره درجًا ووقفًا، قال: وهذا لا خلاف فيه، ولا يُغْتَرّ بكثرة من يُصَحِّفه ممن لا يأخذ العلم على وجهه، ومن مظانه. انتهى.
وقوله:(رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ) بدل من "أبو شاه"(فَقَالَ: اكتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ) أي: مُرْ بعضهم يكتبه لي، وفي الرواية التالية:"اكتب لي" بالإفراد، والمراد به أيضًا أن يأمر بالكتابة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ") فيه ديلٌ على جواز كتابة العلم، وهو مذهب الجمهور، وقد كرهه قوم من أهل العلم؛ تمسّكًا بحديث أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - الآتي عند مسلم في "كتاب العلم": "لا تكتبوا عني غير القرآن … " الحديث، لكن سبب النهي فيه أن لا يتّكل الناس على الكتب، ويتركوا الحفظ، أو لئلا يختلط بالقرآن غيره؛ لقوله في الحديث نفسه:"فمن كتب عني سوى القرآن فليمحه"(٢).
(١) "عمدة القاري" ٢/ ١٦٦. (٢) رواه أحمد في "مسنده" (٣/ ١٢)، ومسلم (٣٠٠٤).