بتأمين النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أهلها، ولإضافة الدار إلى أهلها؛ ولأنها لم تُقسم، ولأن الغانمين لم يملكوا دُورها، وإلا لجاز إخراج أهل الدار منها.
واحتجّ الأولون بما وقع من تصريحه - صلى الله عليه وسلم - من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد، وبتصريحه - صلى الله عليه وسلم - بأنها أُحلت له ساعة من نهار، ونهيه عن التأسي به في ذلك.
وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة، فقد تفتح البلدة عنوة، ويمنّ على أهلها، ويُترك لهم دُورهم، وغنائمهم؛ لأن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقًا عليها، بل الخلاف ثابت عن الصحابة، فمن بعدهم، وقد فُتحت أكثر البلاد عنوة، فلم تقسم، وذلك في زمن عمر، وعثمان، مع وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يمكن أن يدّعى اختصاصها به، دون بقية البلاد، وهي أنها دار النسك، ومتعبّد الخلق، وقد جعلها الله تعالى حرمًا، سواء العاكف فيه والباد.
قال الحافظ: وأما قول النوويّ: احتجّ الشافعيّ بالأحاديث المشهورة بأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صالحهم بمرّ الظهران قبل دخول مكة، ففيه نظر؛ لأن الذي أشار إليه إن كان مراده ما وقع له - صلى الله عليه وسلم -: "من دخل دار أبي سفيان، فهو آمن"، كما في "صحيح البخاريّ"، وكذا:"من دخل المسجد"، كما عند ابن إسحاق، فإن ذلك لا يسمى صلحًا إلا إذا التزم من أشير إليه بذلك الكفّ عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر في أن قريشًا لم يلتزموا ذلك؛ لأنهم استعدّوا للحرب، كما ثبت في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم:"إن قريشًا وَبَّشَتْ أوباشًا لها، وأتباعًا، فقالوا: نقدّم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا، فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: أترون أوباش قريش؟ ثم قال بإحدى يديه على الأخرى؛ أي: احصدوهم حصدًا، حتى توافوني على الصفا، قال: فانطلقنا، فما نشاء أن نقتل أحدًا إلا قتلناه".
وإن كان مراده بالصلح وقوع عقد به، فهذا لم يُنقل، ولا أظنه عنى إلا الاحتمال الأول، وفيه ما ذكرته.
وتمسّك أيضًا من قال: إنه مبهم بما وقع عند ابن إسحاق في سياق قصّة الفتح: فقال العباس: لعلي أجد بعض الحطابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة