وفي رواية أبي حازم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عند النسائيّ، أن عبد الرَّحمن جاء إلى عائشة، فسلّم على الباب، فقالت عائشة: يا عبد الرَّحمن … الحديث، أفاده في "الفتح"(١).
(كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يُصْبِحُ جُنُبًا، مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ) بضمّ الحاء المهملة، واللام، ويجوز إسكانها؛ تخفيفًا، يقال: حَلَمَ يَحْلُمُ، من باب نصر، حُلْمًا بضمّتين، وإسكان الثاني تخفيفًا، واحتَلَم: رأى في منامه رُؤيا (٢). (ثُمَّ يَصُومُ) وفي الرواية التالية من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، وأبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن عائشة:"كان يدركه الفجر في رمضان جنبًا من غير حُلُم"، وفي رواية البخاريّ:"كان يدركه الفجر، وهو جنب من أهله، ثم يغتسل، ويصوم"، وفي رواية مالك:"كان يصبح جنبًا من جماع، غير احتلام"، وللنسائيّ من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عنهما:"كان يصبح جنبًا من غير احتلام، ثم يصوم ذلك اليوم"، وله من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب، قال: قال مروان لعبد الرَّحمن بن الحارث: اذهب إلى أم سلمة، فسلها، فقالت:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبًا مني، فيصوم، ويأمرني بالصيام".
قال القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهَ -: في هذا فائدتان:
[إحداهما]: أنه كان يجامع في رمضان، ويؤخِّر الغسل إلى بعد طلوع الفجر؛ بيانًا للجواز.
[والثانية]: أن ذلك كان من جماع، لا من احتلام؛ لأنه كان لا يحتلم؛ إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وقال غيره في قولها:"من غير احتلام"؛ إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا لما كان للاستثناء معنى.
ورُدَّ بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه (٣).
(١) راجع: "الفتح" ٥/ ٢٧٦. (٢) "المصباح" ١/ ١٤٨. (٣) وقال النوويّ - رَحِمَهُ اللهُ - في "شرحه": وفيه دليل لمن يقول بجواز الاحتلام على الأنبياء - عليهم السلام - وفيه خلاف قدَّمناه، والأشهر امتناعه، قالوا: لأنه من تلاعب الشيطان، وهم منزهون عنه، ويتألون هذا الحديث على أن المراد: يُصبح جنبًا من جماع، ولا يجنب من احتلام؛ لامتناعه منه، ويكون قريبًا من معنى قول الله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: ٢١]، ومعلوم أن قتلهم لا يكون بحقّ. انتهى.