ومحله النصب على الحال من الرسل، أي: أرسلناهم متواترين، أي: متتابعين واحدًا بعد واحد، من الوتر وهو الفرد، وحقيقته أنه مصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا على بابه، كضربت زيدًا ضربًا، حملًا على المعنى، لأن {أَرْسَلْنَا} بمعنى واترنا، كأنه قيل:[واترنا] رسلنا وترًا، أو تترىً، وقد جُوِّز أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، أي: إرسالًا متواترًا (١).
وقوله:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به الناس تعجبًا، قال أبو الحسن: إنما يقال هذا في الشر، تقول في الشر: صار فلان أحدوثة، وفي الخير: صار فلان حديثًا (٢).
قوله عز وجل:{لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} البشر يكون واحدًا بشهادة قوله: {بَشَرًا سَوِيًّا}(٣)، وجمعًا بدليل قوله:{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا}(٤). و (مثل) كلمة تسوية، يوصف بها الاثنان والجمع والمؤنث والمذكر بلفظ واحد لكونها في حكم المصدر، وقد يثنى ويجمع فيقال: هما مثلاه، وهم أمثاله، وفي التنزيل:{عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}(٥). {ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}(٦).
(١) انظر هذا الوجه في التبيان ٢/ ٩٥٥ أيضًا. (٢) كذا هذا القول عن أبي الحسن الأخفش في معالم التنزيل ٣/ ٣٠٩. وجامع القرطبي ١٢/ ١٢٥. قلت: لكن قال أبو عبيدة في المجاز ٢/ ٥٩، وعنه النحاس في معانيه ٤/ ٤٦٠: لا يقال في الخير: جعلته حديثًا. وانظر الطبري ١٨/ ٢٤. (٣) سورة مريم، الآية: ١٧. (٤) سورة مريم، الآية: ٢٦. (٥) سورة الأعراف، الآية ١٩٤. (٦) سورة "محمد" - صلى الله عليه وسلم -: الآية: ٣٨.