قوله عز وجل:{رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ}(من عنده) من صلة (أتاني)، ولك أن تجعله صفة لرحمة.
وقوله:(فَعَمِيَتْ)(١) الفاء جواب الشرط، ومعنى عَمِيَتْ: خفيت، والمنوي فيه للرحمة، أي: خفيت عليكم نبوتي؛ لأن الله تعالى منعكم عِلْمَها، وحَرَمَكُم التوفيق لعرفانها وفهمها، لما أصررتم عليه من العناد والكفر.
وقد جوز الشيخ أبو علي رحمه اللهُ أن يكون من المقلوب، أي: عميتم عنها؛ لأن الرحمة لا تعمى وإنَّما يُعمى عنها، فيكون هذا كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، وما أشبه هذا مما يقلب إذا لم يكن فيه لبس (٢).
وقرئ:(فعُمِّيت) بضم العين وتشديد الميم (٣)، بمعنى أُخْفِيَتْ عليكم عقوبة لكم، أي: عماها الله عليكم، ويعضد هذه القراءة قراءة من قرأ:(فعمَّاها عليكم) وهما أُبي - رضي الله عنه - والأعمش (٤).
قال أهل التأويل: وحقيقة هذا أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء؛ لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدِي غيره، والمعنى: فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد (٥).
وقوله:{أَنُلْزِمُكُمُوهَا} الهمزة للاستفهام ومعناه النفي، أي: لا نلزمكم
(١) على قراءة أكثر العشرة كما سيأتي. (٢) الحجة ٤/ ٣٢٢. وهو للفراء ٢/ ١٢ قبل أبي علي. (٣) قرأها الكوفيون غير أبي بكر. انظر السبعة/ ٣٣٢/. والحجة ٤/ ٣٢١ - ٣٢٢. والمبسوط/ ٢٣٨/. والتذكرة ٢/ ٣٧٠. (٤) انظر هذه القراءة في معاني الفراء ٢/ ١٢. والحجة ٤/ ٣٢٤. والطبري ١٢/ ٢٨. والكشف ١/ ٥٢٧. والنكت والعيون ٢/ ٤٦٦. والكشاف ٢/ ٢١٣. (٥) الكشاف ٢/ ٢١٣.