وقال جامع «تاريخ دمياط»(١): وكان على تنّيس رجل، يقال له أبو ثور، من العرب المتنصّرة، فلمّا فتحت دمياط سار إليها المسلمون، فبرز إليهم في (a) نحو عشرين ألفا من العرب المتنصّرة والقبط والرّوم، وكانت بينهم حروب آلت إلى وقوع أبي ثور في أيدي المسلمين وانهزام أصحابه؛ فدخل المسلمون البلد، وبنوا كنيستها جامعا، وقسموا الغنائم، وساروا إلى الفرما (٢).
وكانت تنّيس مدينة كبيرة، وفيها آثار كثيرة للأوائل، وكان أهلها مياسير أصحاب ثراء، وأكثرهم حاكة، وبها يحاك ثياب الشّروب التي لا يصنع مثلها في الدّنيا.
وكان يصنع فيها للخيلفة بمصر (b) ثوب يقال له «البدنة»، لا يدخل فيه الغزل - سدّاء ولحمة - غير أوقيّتين، وينسج باقيه بالذّهب بصناعة محكمة لا تحوج إلى تفصيل ولا خياطة، تبلغ قيمته ألف دينار. وليس في الدنيا طراز ثوب كتّان يبلغ الثّوب منه - وهو ساذج بغير ذهب - مائة دينار عينا غير طراز تنّيس ودمياط.
وكان النّيل إذا أطلق يشرب منه من بمشارق الفرما من ناحية جرجير وفاقوس، من خليج تنّيس ومغايضها (b).
وكانت تنّيس (b) من أجلّ مدن مصر، وإن كانت شطا ودبقو ودميرة وتونة، وما قاربهم من تلك الجزائر، يعمل فيها الرّفيع، فليس ذلك بمقارب (c) للتّنّيسي والدّمياطي والشّطوي (b). وكان الحمل منها إلى بعد سنة ستين وثلاث مائة، يبلغ من عشرين ألف دينار إلى ثلاثين ألف دينار لجهاز العراق، فلمّا تولّى الوزير يعقوب بن كلّس تدبير المال، استأصل ذلك بالنّوائب.
وكان يسكن بجزيرة (d) تنّيس ودمياط نصارى تحت الذّمّة، وكان أهل تنّيس يصيدون السّمّاني وغير ذلك من الطّير على أبواب دورهم - والسّمّاني طير (e) يخرج من البحر فيقع في تلك الشّباك -، وكانت السّفن تركب من تنّيس إلى الفرما/ وهي على ساحل البحر.
(a) بولاق: فيهم. (b) ساقطة من بولاق. (c) بولاق: يقارب. (d) بولاق: بمدينة. (e) بولاق: طائر. (١) لم يحدّد المقريزي اسم جامع تاريخ دمياط ولم يشر إليه الدكتور جمال الدين الشيال في رسالته «مجمل تاريخ دمياط»، كما أنني لم أتمكن من الاهتداء إليه، وانظر فيما يلي ٥٠٠. (٢) في بولاق توجد هنا الفقرة الواردة فيما يلي ١٧٨: ١ قبل الفقرة التي أولها: «ولما مات هارون الرشيد … ».