للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يجب بشيء وتجاهل. فأمر صلاح الدّين نوّابه بتعذيبه، فأخذه متولّي العقوبة، وجعل على رأسه خنافس، وشدّ عليها قرمزيّة - وقيل إنّ هذه أشدّ العقوبات، وأنّ الإنسان لا يطيق الصّبر عليها ساعة إلاّ تنقب دماغه وتقتله - ففعل ذلك به مرارا وهو لا يتأوّه، وتوجد الخنافس ميّتة؛ فعجب من ذلك وأحضره، وقال: هذا سرّ فيك، ولا بد أن تعرّفني به. فقال: واللّه ما سبب هذا إلاّ أنّي لمّا وصلت رأس الإمام الحسين حملتها؛ قال: وأيّ سبب (a) أعظم من هذا! وراجع في شأنه، فعفا عنه (١).

ولمّا ملك السّلطان الملك النّاصر جعل به حلقة تدريس وفقهاء، وفوّضها للفقيه البهاء الدّمشقي، وكان يجلس للتّدريس عند المحراب الذي الضّريح خلفه. فلمّا وزر معين الدّين حسن ابن شيخ/ الشّيوخ بن حمويه، وردّ إليه أمر هذا المشهد بعد إخوته، جمع من أوقافه ما بنى به إيوان التّدريس الآن وبيوت الفقهاء العلوية خاصّة.

واحترق هذا المشهد في الأيام الصّالحيّة في سنة بضع وأربعين وستّ مائة، وكان الأمير جمال الدين بن يغمور نائبا عن الملك الصّالح في القاهرة. وسببه أنّ أحد خزّان الشّمع دخل ليأخذ شيئا فسقطت منه شعلة، فوقف الأمير جمال الدّين المذكور بنفسه حتى طفئ. وأنشدته حينئذ فقلت:

[الكامل]

قالوا تعصّب للحسين ولم يزل … بالنّفس للهول المخوف معرّضا

حتّى انضوى ضوء الحريق وأصبح ال … مسوّد من تلك المخاوف أبيضا

أرضى الإله بما أتى فكأنّه … بين الأنام بفعله موسى الرّضا (٢)

قال: ولحفظة الآثار وأصحاب الحديث ونقلة الأخبار ما إذا طولع وقف منه على المسطور، وعلم منه ما هو غير المشهور. وإنّما هذه البركات مشاهدة مرئية، وهي بصحّة الدّعوى مليّة، والعمل بالنيّة (٣).


(a) بولاق: سر.
(١) ابن عبد الظاهر: الروضة ٣٠ - ٣١؛ المقريزي: المسودة ٣١٢ - ٣١٣، المقفى الكبير ٦١٥: ٣ - ٦١٦.
(٢) نفسه ٣١ - ٣٢؛ نفسه ٣١٣.
(٣) المقريزي: مسودة المواعظ ٣١٣، ولم ترد هذه الفقرة عند ابن عبد الظاهر وهي دليل على اعتماد المقريزي على نسخة مخالفة من كتاب ابن عبد الظاهر مثل مواضع أخرى