الأُمَّةِ، خَصَّهُ اللهُ بِالفَضْلِ الوَافِرِ، وَالخَاطِرِ المَاطِرِ، وَالعِلْمِ الكَامِلِ، طَنَّتْ فِي ذِكْرِهِ الأَمْصَارُ، وَظَنَّتْ بِمِثْلِهِ الأَعْصَارُ، قَدْ أَخَذَ بِمَجَامِعِ الحَقَائِقِ النَّقْلِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ، فَأَمَّا الحَدِيْثُ، فَهُوَ سَابِقُ فُرْسَانِهِ، وَأَمَّا الفِقْهُ فَهُوَ فَارِسُ مَيْدَانِهِ، أَعْرَفُ النَّاسِ بِالفُتْيَاءِ، وَلَهُ المُؤَلَّفَاتُ الغَزِيْرَةُ، وَمَا أَظُنُّ الزَّمَانَ يَسْمَحُ بِمِثْلِهِ، مُتَوَاضِعٌ عِنْدَ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ، حَسَنَ الاعْتِقَادِ، ذُو أنَاةٍ وَحَلْمٍ وَوقَارٍ، وَكَانَ مَجْلِسُهُ عَامِرًا بِالفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِيْنَ وَأَهْلِ الخَيْرِ، وَصَارَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ يَقْصِدُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَكَانَ كَثِيْرَ العِبَادَةِ، دَائِمَ التَّهَجُّدِ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَرَ مِثْلَ نَفْسِهِ.
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ: كَانَ شَيْخُ الحَنَابِلَةِ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ، وَعَلَمًا مِنْ أَعْلَامِ الدِّيْنِ فِي العِلْمِ وَالعَمَلِ، صَنَّفَ كُتُبًا حِسَانًا فِي الفِقْهِ وَغَيْرِهِ، عَارِفًا بِمَعانِي الأَخْبَارِ وَالآثَارِ، سَمِعْتُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ، وَكَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيْهِ أَبِي عُمَرَ هُوَ الَّذِي يَؤُمُّ بِالجَامِعِ المُظَفَّرِيِّ، وَيَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذَا حَضَرَ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَعَبْدُ اللهِ بْنِ أَبي عُمَرَ (١) هُوَ الخَطِيبُ وَالإِمَامُ، وَأَمَّا بِمِحْرَابِ الحَنَابِلَةِ بِجَامِعِ "دِمَشْقَ" فَيُصَلِّي فِيْهِ المُوَفَّقُ إِذَا كَانَ حَاضِرًا فِي البَلَدِ، وَإِذَا مَضَى إِلَى الجَبَلِ صَلَّى العِمَادُ أَخُو عَبْدِ الغَنِيِّ، وَبَعْدَ مَوْتِ العِمَادِ، كَانَ
= (٤٨٦) حَرْفًا بِحَرْفٍ مَا عَدَا قَوْلِهِ: "طَنَّتْ في ذِكْرِهِ"، فَفِي تَارِيْخِ الإِسْلَامِ "بِذِكْرِهِ".(١) عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ، شَرَفُ الدِّيْنِ، الخَطِيْبُ (ت: ٦٤٣ هـ)، ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ ابنُ أَخِيْهِ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute