في الحياة الدنيا، وحطمك وأهرمك وقطع لذاتك وحرمك، فجانبه مجانبة الأسد الكاسر، واجعله بمنزلة العدو الباشر، لا تلم به إلا من بعيد، ولا تذكره إلا في يوم عيد، وحسن ظنك بالله العظيم، وثق بعفو الغفور الرحيم، فإنه لا تتوصل إلى جنته إلا بمنته، ولا تتخلّص من عذابه إلا برحمته، فإذا أراد الله أمرًا يسَّرَهُ، وإذا كره شيئًا عسره، فصل من المعاصي ما قطعت، وحمل على شفاعة نبيك ما استطعت، فإنك لا تقوى على حمل التقوى، وأخر التوبة إلى وقت النوبة:
وكثر ما استطعت من الخطايا … إذا كان القدوم على كريم
وآمرك في أول الأمر أن تنظر في أبواب الخمر، فمن صرفها فصرفه في أعمالك ومن قتلها، فاقتله بنعالك، ومن داس جرياله أو نقص من مكياله، فاجعل حذاك في سباله، وحمل الكلب على عياله، واحكم في مجالس الشراب بهواك، ولا تتكل فيه على سواك، ولا تنادم المعربدين والأثقال، ولا تسامح في نقل من الأنقال وتلق علاج السكران بكمك وأفده بأبيك وأمك، ولا تؤاخذ نديمك بتجافيه ولا تعوّل في السكر على تصافيه، وأطو بساط الخمر بما فيه، وأمرك أن تنظر في أمر الولدان والصغار من المردان، فمن بلغتك أنه مقصر أو أعمى لا يُبصر فخذه بالملاطفة، واحذر عليه من المخاطفة، وصبعه بالخنصر، ودرجه إلى البنصر، فإذا ارتقى إلى الترويس، وانتهى إلى درجة التنكيس، فالصقه بالحصا، وادخل عليه إلى الخصا. وآمرك أن تجمع بين الصغار والكواسر، وأن تطرقهم إلى دخول القياسر وازجرهم عن الجدال. واضربهم على البدال، وعرفهم أنهم يرتقوا من الوجارة إلى التجارة، وأن في البغاية نيل الغاية، لأنها داء الملوك، وعلة الكتاب، وآمرك أن تنظر في الأجاريش والعلوق النكاريش (١)، فمن نتف شعره أو رفع على العشاق سعره، أو تجاوز حده، أو حلق بالزجاجة خده. فحذر منه العاشقين، واسحقه في ملأ من الفاسقين واكتبه في ديوان المنافقين، وآمرك أن تنظر في أعداء الدين من فقهاء القوادين، فمن بلغك أن شرخ درهمًا من عاشق، أو تلهى برجل فاسق، أو شهد له بالزور أو دلاه بالغرور، فاصفع قفاه، واعطه من التنكيل أوفاه، وأمرك أن تنظر في باب الصفاع، وتذكر ما فيه [من] الانتفاع، وأنه يحلل الإخلاط، ويسهل الضراط، فتقدم إلى أصحابك باستعماله، ومر أتباعك باحتماله، وانظر في مشكلات نوازله، وترتيب منازله، واحكم في التخيير بالتحبير، والتخمين بالتعمير ولا تفتي في اللحمية بالمبطنة، ولا في المكشوفة بالمقطنة، ولا تأمر باستبعاد الفقراوية إلا في مكانها. ولا في النعامية إلا في أعكافها،
(١) النكاريش، مفردها نكريش، بمعنى الملتحي معرب نيك، ريش أي جيد اللحية.