لا هو بالمُكثر ولا بالمُقِلّ، ولا بالمُطوَّل ولا بالمُخِلّ، هو في الرتبة الوسطى، لا يزداد ولا ينتقص قسطًا، وغايته إن كلامه مقبول، ولمامه حلو غير مملول، لأنه رقيق الديباجة في الرّجاحة. ومن نثره قوله:
قد كان المستعين خاطب أباك يرغبه في الهدو، والاستعانة على العدو، فأقام وأقمنا معه، مريحين من تعب النفاق، فرحين بإشراف الهدنة في الآفاق، ثم دهمنا من جهتكم داهم، أبدى صفحته، ونسيم أهب صفحته لا نفحته، ولا يمكننا تسليم أيدينا إليكم، يستحكم فينا الإذلال، ويتحلَّم علينا الإخلال، وقد كان لكم فيما فعله أبوكم أسوة حسنة، وأيام كانت بيننا وبينكم محسنة، وسيعلم مبرم هذا الرأي عندكم سوء مغبته، وعظيم ما أخذ للفساد من أهبته، وأيقظ له بأرق هبته، والله حسيب من بغى، وأوقد لنا الفتنة وابتغى.
ومنهم:
[[٤٥] أبو الحكم بن عبد العزيز]
كاتب تطلع إلى رواية الأخبار، وتلقى المعرفة بما بين الأندلس والأنبار، ولم يعبأ بالوفيات، ولا دقق في استطلاع الخفيات، وعبَّر عنها بعبارات جلتها، وإخبارات بثياب العصب جللتها. أبعد فيها التقفية والتصريع. وأبدع التوشية والتوشيع. فردت مجلوّة في أحسن الصور مقلوة. لا كالسور، مكلوه بما يعرض من الملل لإعادة السحر.
ومن نثره قوله:
فجاءتا من الثغور من أعلم أنهم تجهزوا نحوها، فتأهبنا للقائهم، وتواثبت لتلقائهم، فواقفونا في البلاد التي يريدون غنائمها، وفي ظنهم أنهم يستفيدون من مغانمها، ويبيدون قاعدها وقائمها، ويعيدون تحت قبضة السيوف متيقضها ونائمها. ولما تراءى الجمعان، وترامى الصدعان نكست شياطين وعولهم على أعقابها، وارتقبت الموت من أنقابها، وانهزم القوم وسيوفنا تجذم أعناقهم وتكذب أخلاقهم، حتى ألجأهم الذعر إلى قلعة تحصنوا بأوعارها، وتحصلوا في ذروة السماء بالاعتصام غبارها.