كانت له دبوقة، وهذا من النعم التي يجب أن تكفر، ومن الذنوب التي لا يجوز أن تغفر، فلو نتفت أصلحك الله سبالك، ومزّقت من الغيظ سربالك، لما وصلت إلى بغيتك، ولو علمت الخرا في لحيتك، وأشدّ من ذلك يا سيدي كون النساء يتعاشق، والقحاب يتساحقن، وقد شقوا عليّ العصا، فتركوني أمص الحصا، وأنا بينهم مثل الخصا، فلا جرم أن الله ابتلانا بالخسوف ورمانا بالكسوف، وروعنا بالزلازل، وأخرجنا من المنازل، فإن كنت راعنا في ولايتك، فاطلع علينا برايتك من قبل أن يسلو العاشقون، ويتوب إلى الله الفاسقون فينفسد د (١) الهندام، وتكسد أسواق المعاصي بالشام، ومتى عزفت على الإياب، فأكثر من النفقة والثياب، لئلا تندم على الرجوع، وتموت بالبرد والجوع، ولا تطمع في التكسب بالشعر، فقد راح ذلك السعر، ولو قلت اليوم الحماسة، ما حصل لك بها كناسة، ولو أنك امرء القيس، صفعوك بجلد التيس، ولو أنك ابن منير لحملوا على عيالك الحمير، لأن الجود قد استقلّ، والندا قد انتقل، وقد وصل إلى قليوب، طالبًا لبني أيوب، ونحن اليوم كما قال الوهراني:
أنست بنو شادي بمصر وأهلها … فبكت دمشق عليهم والشام
رحل الندى والجود يوم رحيلهم … وتخلّف الحرمان والإعدام
كانوا لنا كالوالدين تعطفًا … فاليوم نحن لبعدهم أيتام
* * *
وأما ما نذيل به ممن ساهم ابن بسام الفتح بن خاقان في ذكره، وقاسم يمين الفتح في شكره، مع من تفرّد به ممن وقع في قسمه، وقرع المسامع باسمه، ممن أكثر في الذخيرة الإعلان من جواهره، وصرّ الأوراق على أزاهره، مقتصرين على المشاهير والمختار لهم.
فمنهم:
[٢٥] الوزير الكاتب، أبو حفص بن برد (٢)
شيخ كهول ومرد، وناسج كل حبرة تنسب إلى برد، لم يزل بأجراء أفكاره رائض
(١) كذا في الأصل، وفي المنامات: فيتغير. (٢) أحمد بن برد، أبو حفص، وزير من الكتاب الأدباء الشعراء، كان مقدمًا في دولة بني عامر والأخبار عنه قليلة، توفي سنة ٤١٨ هـ، انظر: