للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[[٣٦] أبو جعفر بن عطية الطرطوشي]

تصدَّر في دولة بني عبد المؤمن، وبلغ فيها نهاية المحسن، جاؤوه بالإحسان إحسانًا، وأعلوه في النواظر إنسانا، وأولوه برًا لا ينزف، وأحلوه وقارًا لا ينسف، ولأدبه نشأة الروض المجود، لا بل نشأة المدامة بنت العنقود.

ومن نثره قوله:

أما بعد، فإن الأيدي قد امتدت، ودواعي التعدّي قد اشتدّت، وأموال الناس تنهب، وزواجر كتاب الله لا تُرْهب. وأنت تنام عن كفّ هذا الانتهاب، وتلين عند السطوة والإرهاب، وتعكف على الراح وراحاتها، وتقف بين بكرتها ورواحاتها، وقديمًا أفسدت الراح الأحوال، وجرَّت إلى أهلها الأهوال، فلينب عن سوطك سيفك حتى يرهب خيالك وطيفك، والسلام.

ومنهم أخوه:

[[٣٧] عقيل بن عطية]

أغضّ من أخيه فنًا، وأغنى أدبًا، أدبًا لا يفنى وثيق البنا، عريق السنا، جرت مذاكيه علا، وجلّت معاليه علا، وأشبه أخاه إلا أنّه ما واخاه، لمكانة أخيه في الدولة المؤمنيّة، التي عدمت القرناء، ووجدت به الغناء.

ومن نثره الذي أخذ في أطراف البديع. وأوصاف الدرّ الصنيع. قوله:

ورد كتاب ملك الروم مهددًا متوعدًا. ذاكرًا أن أبا زكريا أذعن ومال إلى المسالمة وركن، ولسنا مثله، وعندنا من حماة المسلمين المشاهير المعلمين، من يقاوم جمعك الذي يعجب بأسواره ويهدّ منبر دعواك الذي تعتصم بأعواده. ودين الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه. وإذا اتفق أهله فلا تطرق إليه، وقد اعتدنا لك ولقومك، أولا توبة الله الذي ينصر أولياؤها، وتحيى بماء السعادة شهداؤها، ويسعد في الدارين أحياؤها. وهو بطوله يُفرغ على قلوبنا صبرًا، يثبت الأقدام، ويوهن كيد المعتدين، وينصر هذا الدين، و ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١)، و ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢). ولا تحسبن كل


(١) سورة آل عمران: ١٤١.
(٢) سورة البقرة: ٢٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>