ورث من كفى نسبه عنترة العبسي أن يتقدم، ومن سمى إليه حاتم الطائي أن يتكرم، فلهذا شق بكتبه الكتائب، وما خاف وأنفق ذهبه جُزافًا وما خشي الإسراف، جنى الكلام غضًا، وجلّى وجهه مبيضًا، وله نثر لا تضم على مثله المقل أجفانها، ولا تربّي لشبيه سره الكروم جفانها.
ومنه قوله:
وأن تعلموا أن فلانًا معضود جانبه مكتوب معاديه ومجانبه، ميسرة من الله لباناته ومآربه، مصبرة في البر والبحر مذاهبه، مد الله على صفيحتهما مراكبه، وقد توجه في أمور مهمة، وأحوال يعود بها عائد نعمه، فبادروا حين وصوله إليكم بالنظر في زورق، حيث أراد به حلّق، وبأي حبل أراد من الماء تعلّق، وأعدّوا قطعتين اثنتين جيدتين متخيرتين، فإذا آب أصحبوهما له إلى المرسى الذي يحاول منه الطلوع أوان الرجوع، وقد أعلمناكم وفي الوقت مهلة فعجلوا فيهما الشروع.
ومنهم:
[[٤٩] أبو بكر بن البنا]
حصل له المراد وتهنّى، ووصل الغاية لا يتعنّى، قريحته للمعاني العقيمة ولود، ألين له الكلام كما ألين الحديد لداود، كأن يتسرع به من الإحسان ابطاؤه، ويتسدد من البيان أخطاؤه، كأنّ فكره يمتاح من قليب لا يغور، ويلتاح في حلته شموس وبدور، حكم صناعته وأتقنها، وأحكم صياغته وأحسنها، فراقت شربًا، وترقرقت ماء عذبًا.
ومن نثره قوله:
إن مثل سيدي - أبقاه الله - والآمال في شارع فضله تكرع، ولمواقع وبله تتبع. لجدير في شرف نصابه، وكرم انتسابه، ورعاية ذمام كلّ ماثل ببابه، متقرب إليه بوسائل من انتمى إلى جنابه أن يتلقى الأمل بقبوله، ويرحّب ضيف الرجاء عند حلوله ونزوله، وأبو فلان - أحد من أمل غشيان بابكم الفسيح، وأثر قصدكم اللجج الزواخر والمهامه الفيح، واستقبلكم برجاء ملء يقينه، وأمنيّة قدر أن تأتيه بكل مراد في حينه، وهو بما تسدون إليه حقيق وبما تصنعون لديه خليق، فإن له طلبًا مبينًا، وأدبًا معينًا، وطريقة لا يسلكها إلا من سلم دينًا، واتخذ الخير خزينا، وقد أزعجه عن وطنه مزعج المقدار، وواقع الخطوب الكبار، وأملكم بشيء تمنحون لقيام أوده، وإحسان تفسحون له في