للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٣٣] صالح بن صالح الشنتمري (١)

سحاب هطل سافحًا، وسما طل زهره فتوقد نافحًا، بصوب أدب كان نؤه الغمام دالحا، وكان أبوه الإمام صالحا، فأثمر غصنه وأورق، وتوقد ذهنه وأحرق، فشب دون السوالف حريقًا، وشاب برضاب الغيد سلافًا رحيقًا، وتهادت الشرب كؤوسه، وأطلع في غرر الأيام شموسه، فسطع نهارًا، وجمع ماء ونارًا.

قال ابن بسام:

شنتمري الأفق، شاعر ناثر، وله من المعرفة بلسان العرب حظ وافر، وكلامه في المماثلة والسجع، جارٍ على الطبع، من رجل شديد الحياء، كثير الانقباض والانزواء، يرى الكتابة عليه من أشدّ الأشياء، لا لنبوّ طبع وقلة أدب، بل لضعف عصب، وفيما أثبت من قسمي كلامه في نثره ونظامه، شاهد على ما وصفته به، ومنبه على فهمه وأدبه.

ومما أورد له من نثره قوله من رقعة عتاب:

إنا لله، لقد غرقت من غشك في بحرٍ عميق. وامتحنت منك بعدو في ثياب صديق (٢).

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدوًا له ما من صداقته بُدّ (٣)

وقد كنت خاطبتك - لا مسك خطب ولا فُل لك غرب - جاريًا - علم الله - إلى التحقيق آخذًا بما يلتزمه الصديق للصديق، غير ملتفت إلى تلك البوادر التي كانت الدعابة تجريها، وإذلال الوداد السبب فيها، وما كان في كتابي شيء يتهمه من أخلص نية، وأدى إلى حسن طويّة. اللهم إلا إن كان ما ضمنته من التبجيل، قد حرفته عن الوجه الجميل، وتأوّلته أقبح التأويل.

قال ابن بسام: ومما لوّح في العتاب، وزخرف بالتصنع ظاهر الخطاب، رقعة خاطب بها من أحوجته الأيام إلى مصانعته، وقد بدت منه بدوات صوّب فيها وصعد وقام وقعد. وقال فيها:

معلوم - أعزك الله - أن لكل مقام مقالًا، ولكل حال تناولا وجدالا (٤)، وكما لا يصلح الإكثار في كل خطاب، فكذلك الاختصار. لا يسوغ في كل كتاب، وفي النفس


(١) الذخيرة ق ٢ مج ٢ ص ٥٧٤، وله ترجمة في المغرب ١/ ٣٩٧ قال: إنه من شعراء المائة الخامسة. رايات المبرزين ٣٥.
(٢) حل لقول ابن نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت … له عن عدو في ثياب صديق
(٣) للمتنبي: ديوانه ١٩٨.
(٤) في الذخيرة وحوالا.

<<  <  ج: ص:  >  >>