للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنهم:

[٥٨] أبو الحسن بن فضيلة (١)

قاض أقطع من السيف قضاؤه، وأنفذ من السهم مضاؤه، وخطيب يرفع الطرف إغضاؤه، وتحرق رياح الوعيد رمضاؤه. وكاتب يرضى ارتضاؤه، ويُغني عن النوء اقتضاؤه.

كلامه أسهل من الدهان. وأسلم من التصوّر في الأذهان، وأسبق من الجياد يوم الرهان.

وله رسالة كتبها إلى بعض أصدقائه، وقد عُزل عن القضاء، واريح مرهف من طول الانتضاء، وخفف عن فسيح رجائه وقفات الركائب الانضاء، ما خلا فيها من إبداع، لا تنهض في خلافها حجة نزاع. وهي:

أخي وسيدي أبقاه الله، وشمسه طالعة لم يعقها غروب، ونفسه واسعة لم تضقها خطوب، وبعد فإني كتبته إليكم، كتب الله لكم عزّةً باقية، وعصمة واقية، عن الود الذي يفهم، والخلوص الذي لا يمرض بحول الله - ولا يسقم، والاعتقاد الذي يجب لذلك الإخاء ويلزم، والشوق الذي يهيج بالبعاد والفراق ويضرم، والله تعالى يصون لنا من الوداد ما عُقد، ويحفظ لي ولسيدي ما اعتقدت من ذلك وما اعتقد، ويطفي من نار الشوق ما أضرم وما اتقد. وإني وافاني خطابكم الأثير، معرفًا بالانفصال عن تلكم الخطة التي كرهتها في سالف الأيام القدوة الأعلام، وفرّ منها صالح الأنام، من لنا بهم الاقتداء والاتئمام، فسرني ذلك لكم وساءني للخلق، وشكرت الله على انفصالكم منها، عزيز النفس، واقفًا مع الحق، وإن تقلدتها يا أخي عزيزًا كريمًا لأنت الآن أكرم وأعز. ولئن حزت منها سبق رتبة، لأنك اليوم أحرز للفضل وأحوز، فالحمد لله الذي جعل النهاية خيرًا من البداية، وصيّر هذا العزل أفضل من الولاية، فما بفضل الله هان إلا من ضعف في الحق ولان، ولا اتضع إلا من إنقاذ للباطل وخضع، ولا عزل إلا من حط عن الشرف الذاتي وأنزل، فأما من وقف مع الحق حيث وقف، وتصرف معه حيث انصرف، واتصف من العلم والمعرفة، وحميد كل صفة، بمثل ما تحلّى به سيدي واتصف فهو أمين وحاكم على كل حاكم، ووال آمن في كريم رتبته، وعظيم خطته من العزل والزوال، فأما المراتب العرضية التي تنال بالحق والباطل، ويتقلدها الحالي والعاطل، ويتصرف فيها الجائر والعادل، مما يعنى به الكريم الفاضل، ولا يرتفع بوجدانها ولا يتضع بفقدانها العاقل الكامل، أما أنّ الله ما صرفها عنكم إلا لأنها شيبت


(١) أبو الحسن، فضل بن محمد بن علي بن إبراهيم بن فضيلة المعافري، الاغرانطي، المتوفى سنة ٦٦٤ هـ.
برنامج الواد آشي ص ١٦٦. درة الحجال ٣/ ٢٦٣، الذيل والتكملة ٥/ ٥٤١.

<<  <  ج: ص:  >  >>