للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من قعد لهم على المدارج فمما قبحت به الأحدوثة، وساءت الاشنوعة الموروثة، لطول عمر لياليها الذاذي، وغصص نواحيها بخيول الأعادي، فلا يسمع إلا من بز أو أبرق عليه برق الصارم الذكر، أو هز فأخصمت المنية الجنان، وفصمت المخافة زر البراعة مما ضمت عليه عروة البنان.

ومنهم:

[[٥٥] أبو حفص، عمر بن صاحب الصلاة]

كان رضيع مدامة، ومطيع هوى لا ملامة، فلما توفي أبوه تعطلت أعواد منبره، وسلب مجلس قضائه فريد جوهره، فلما وضع في لحده، ومنع من أن يتقدم أحد من بعده، نهضوا أجمعهم إليه. فوجدوه صريع عقاره، وضجيع عواره، فأقبلوا على عذله لافتقاد المنصب إلى مثله، والتوبة ترنو إليه بعين معاذله، ويقطعوا إليه بجيد مجده لا هازله، فسألهم أن يدعو عنانه، ويتركوه ليلته، فبات والإنابة تسامره. والمراجعة تشاوره. فبات يغالبها وتغالبه، ويجاذبها طرف ردائها وتجاذبه، إلى أن حيت الغزالة لمحياها السافر، وألقت ذكاء يمينها في كافر، عمد إلى قوس صبابته فنزعها، وإلى أثواب نشوته فخلعها، وإلى أباريقه فأزاحها، وإلى دنانه فأسال أرواحها، بتوبة نصوح لم يشنها ارتياب، وإقلاع فجاءه كالسحاب المنجاب، ثم طفقت مجامر القرائح تعبق وقودها، وأذهان الآداب تتيقض رقودها، يسري بها ذميلا ووخدا، ويرمي بها طرفا ساحرا وخدا.

ومنه قوله يوصي بكتب أودعها لبعض أصحابه، لا يقرضها الفار، ويذكر الهر وهي (١):

في علمك (٢) ما استودعته ديانتك، واستحفظته صيانتك (٣) من كتبي التي هي أنفس أعلاقي وأغلاها (٤)، وأحقها بالصيانة وأولاها (٥)، ولا شك أنها منك ببال،


(١) الرسالة في نهاية الأرب ٩/ ٢٨٥، وفيه: ونسبت هذه الرسالة لأبي نصر الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان. ومباهج الفكر للوطواط. (تحقيق عبد الرزاق أحمد الحربي، ص ٢٣٨).
(٢) بعده في النهاية: أعزك الله.
(٣) في النهاية: أمانتك.
(٤) في نهاية الأرب: ذخائري وأسرها.
(٥) في النهاية: أحراها، وفيه بعدها: وما كنت أرتضي فيها بالتقريب، لولا الترجي لمعاودة الطلب عن قريب.

<<  <  ج: ص:  >  >>