مؤلف قلائد العقيان، وممثل فرائد تلك النحور للعيان، فأحيا رمم أولئك الأعيان، ووصل ذلك البيان، وخلَّد للمغرب فخرًا بفضلِهِ، وذخرًا بما حَفَظَ لأهلِهِ، ثم طلع بين نجومهم بدرًا، ونثر خلال حصبائهم درًّا، وفاض على جداولهم بحرًا، وآض في أخريات أسحارهم فجرًا، وكان له عليهم رفعة السماء على رقعة الماء، لفضل أناف به إنافة البدر على الميسم، وغطّى عليهم تغطية الشفاه على المبسم، ويقال: إنه ما ضم بنانه قلمًا، ولا أم بيانه لقمًا حتى حفظ عشرة آلاف رسالة جعل خاطره مكان خطها، وحافظ ذكره موضع ضبطها فمرى بها شُعب فكره وأساله، ورضع من درر الدراري بما نالت يداه، وطالت مذاكيه إلى مداه وأتى كأنّ حالية العذارى تتكسر على حصاه وسابق الثريا قد ألقى وراءه عصاه، وآخر حاله أنه وسد كتابه وذبح عليه بيد بعض من ذمه فيه وعابه، وعلم بالقاتل، وإنما درأه المداراة عند المقاتل، وتلك شيمة الأيام، وسخيمة صدور الأنام، ألا ترعى حق، فاضل، ولا تراع بحد مناضل. وهي الدنيا تعاقب ما بنت ولا تُعاقب بما جَنَتْ، ومن نثره قوله (٢):
واعلم (٣) أن المعتمد قد جيش إليها ليتركها خاوية على عروشها، طاوية الجوانح على وحوشها، فأمر الراضي (٤) بالخروج إليه، فأظهر التمارض والتشكي، وأكثر التقاعس
(١) الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان بن عبد الله القيسي، أبو نصر، كاتب مترسل، مؤرخ، من أهل اشبيلية، ولد سنة ٤٨٠ هـ، وكان كثير الرحلات والأسفار، ألف كتبًا أشهرها (قلائد العقيان) مات ذبيحًا سنة ٥٢٨ هـ، أوعز بقتله علي بن يوسف بن تاشفين. وقد مضى ذكره ومصادر ترجمته. (٢) قلائد العقيان ص ١١٤. (٣) في القلائد: ولما وصل المعتمد لورقة، اعلم أن العدوّ قد جيش إليها وحشد، ونهد نحوها وقصد، لتركها خاوية .. (٤) الراضي، هو يزيد بن المعتمد محمد، إن كلفًا بمطالعة الكتب، مولعًا بالشعر، ولي الجزيرة الخضراء، وفي سيرته أن أباه المعتمد كان يلومه بين الحين والحين فيعتذر ويستعتب. قتله المرابطون برندة سنة ٤٨٤ هـ. ترجمته في: نفح الطيب ٤/ ٢٥٦ وقلائد العقيان ص ١١٠.