للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما ولادة (١) في نساء زمانها (٢) واحدة أوانها (٣)، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر (٤)، يعشوا أهل الأدب إلى ضوء غُرَّتها، ويتهالك أفراد الدهر (٥) على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها (٦)، وتخلط ذلك بعلق نصاب، وكرم أنساب وطهارة أثواب. على أنها (٧) طرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل لقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها. وأما ذكاء خاطرها، وعجب (٨) نوادرها، فإنه من آيات ناظرها، [وكانت تخالل الوزير أبا عامر بن عبدوس] (٩). وطال عمرها وعمره (١٠) حتى أربيا على الثمانين، وهو لا يدع مواصلتها، ولا يغفل مراسلتها، وتحيف هذا الدهر المستطيل حال ولادة، فكان يحمل كلّها، ويرقع ظُلَّها، على جدب واديه، وجمود روائحه وغواديه.

ومنه قوله:

وهو في وقتنا غرّة الزمان الزاهرة، وآية الإحسان الباهرة، أحد من تقدم أهل الفضل تقدم الاسم على الفعل، واستولى على النيل استيلاء الشمس على الظل، وله صدر يسع الدهر كله، ولسان يخلق السحر لو استحلّه.

ومنه قوله:

وافاني منك كتاب ظللت أسامره وأناجيه، قلبت إليه وفيه، وخفت أن أمحو سطوره تقبيلًا، فوضعته على رأسي إكليلًا، وصرتُ به على الدهر أميرًا، ولم لا، وقد ملأ عيني نُورًا، وأمدني مسكًا وكافورًا. وداخلَتْ نفسي منه قوّةً لا أعرفها، فكيف أصفها؟ ولا أدريها فكيف أحكيها؟ وهي أظنّ ما يداخل المضلّ إذا أنشد فوجدا، أو المقل إذا استعدى على الأيام فأعدى، أو المحل يئس من السقيا فسقي. وظل ينشد:


(١) بعده في الذخيرة التي ذكرها أبو الوليد بن زيدون في شعره، فإنها بنت محمد بن عبد الرحمن الناصري.
(٢) في الذخيرة: أهل زمانها.
(٣) في الذخيرة: أقرانها، وأشار المحقق في الهامش أنها وردت في بعض الأصول (أوانها).
(٤) بعده في الذخيرة: وفناؤها ملعبًا لجياد النظم والنثر.
(٥) في الذخيرة: أفراد الشعراء والكتاب.
(٦) في الأصل: منتمابها.
(٧) بعده في الذخيرة: سمح الله لها، وتغمد زللها.
(٨) في الذخيرة وحرارة.
(٩) ما بين معقوفين ليس في الذخيرة: وفيه مرت بالوزير أبي عامر بن عبدوس، إلى آخر الخبر.
(١٠) في الذخيرة: عمر أبي عامر.

<<  <  ج: ص:  >  >>