رجل على الحظ رُمي، أصله من سبتة، ثم استوطن مدينة فاس. واستوطن عقبه العقيم والراس، وصاب غمامًا هاميًا في أوطانها، وأصاب مقامًا عاليًا في حضرة سلطانها، وصرف ببيانه القلم الأعلى وببنانه الكرم الذي شيد بناءه وعلى، حفظ كتاب سيبويه، ولفظ الدُرر البحر الذي بين جنبيه. وهو اليوم كاتب الدولة المرينية غير مزاحم في تصريفها، ولا مُزاح عن عطفه حلّة تشريفها، يمسح عن جبينها الرحضاء، ويرهف بيمينها المضاء، وينطق بلسان ناطق بالإحسان صادق، بما يحدث عن مقاتل الفرسان، ترد إلى باب سلطاننا شرّفه تعالى الكتب من إنشاءاته وقر ظهور ركائبه ومنشآته، وجاء منه في فتوح تلمسان ما قرط آذان الحسان، وهو متسلّم باب ملكه، ومتسلّم هضاب فلكه. وفي النثر لسانه أقول، وبيانه أطول، على أنه في النظم ذو مقول لا يُقاومه ابن أبي خالد الأحول، ولا يقاربه الفرزدق ولا جرول. وقد وجد بحسن ترسله، ويمن توسله، ما وجده عند ابن زنكي الكاتب الأصفهاني، حظي به عند ابن أيوب الفاضل البيساني، ورآه الطغرائي من ذوي ملكشاه، والنسوي من خوارزم شاه.
ومن نثره قوله:
(١) عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن الحضرمي، يرجع نسبه إلى الصحابي العلاء بن الحضرمي، عين بنو العز في أصحاب سبتة أباه قاضيًا بها، سنة ٦١٣، وعندما أخذها النصريون سنة ٧٠٥ هـ فارتحل مع ابنه وأسرته إلى غرناطة. ثم عادوا إلى سبته، واتصل عبد المهيمن بالدولة المرينية، فكتب للأمير عثمان بن يعقوب، ولابنه أبي الحسن علي الذي اصطحبه في أسفاره وتنفلاته. توفي بتونس سنة ٧٤٩ هـ عام الطاعون الجارف. وكانت ولادته سنة ٦٧٦ هـ. ترجمته في: أعلام المغرب والأندلس (وهو كتاب نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان) للأمير أبي الوليد إسماعيل بن يوسف بن الأحمر، ص ٣٢٣ والإحاطة، حيث اعتبره لسان الدين من شيوخه ونفح الطيب ٥/ ٢٤٠ و ٤٦٤ وفيه جملة من أخباره وأشعاره، وجذوة الاقتباس: ٢٧٩ والتعريف بابن خلدون: ٢٠.