بالرعاية التي خلاها الذّمّ، فإليه أرسل القاضي الفاضل أبوه ليدرب، وعرض عليه سيفه ليجرّب. فوجده جوهرًا، ورده وهو يتلظى نهرًا، ويعرف هذا الصيرفي بابن الخلال، وكان آية في كرم الخلال، لولا كبرياء كانت تتخازر بطرفه، وتتحاذر على من دخل بثاقل عطفه. وكان الفاضل يصرف فضله التذاذا، وفعله كله إلا هذا، وقد زعم ابن سعيد أن منه المادة الفاضلية، وأن من يتحرّ في كلامهما يظهر له طرق المآخذ الجلية، ولعمري أنه ما أنصف ولا الأمر كما أن وصف. بل والله بينهما ما بين شهرتيهما، والتفاوت في تعريفهما تفاوت ما بين صفتيهما، على أن هذا الرجل لا يغمط أمام التمام سابقته، ولا ينكر قبل الغمام في رقته.
ومن نثره قوله:
وجاءت غربان الماء، تحكي قطع السحاب في أديم السماء، يحسب الناظر أنها ركائب قد طفت في بحر السراب، أوجفونا محدقة والمجاذيف أحداق.
ومنه قوله:
وجاءت هذه الخيمة توفي على إيوان كسرى، وظلت الأبصار في أرجائها خاسئة حسرى، وقد اجتمع فيها متضاد الحيوان، ولا أذى ولا ضير، وكأنها فيها سليمان، وقد حشر له جنوده من الجن والإنس والوحش والطير.
ومنه قوله:
حاش لله أن ننسى منن المولى وبردها على كبده، وأياديه التي تعجز عن سعة شكرها ذات يده، وقد قرت هذه الخدمة بهدية مثله، وهي مدحةً وكتاب، وقول عسى أن يفك به أزرار ذلك العتاب، هيهات زال بكرم الله الأعراض، وردت سهام الأعداء في نحورهم قبل أن تصل إلى الأعراض.
ومنهم:
[٦٧] الأثير بن بنان (١)
عديم النظير، عديل الكوكب المنير، ولم يكن في وقته مثله، ولا في سمته من
= وفيه أنه مات بعد ٥٥٠ هـ وصبح الأعشى ١/ ٩٦ والنجوم الزاهرة (من كتاب المغرب) ص ٢٥٢، بغية الوعاة تاريخ الأدب العربي بروكلمان ٥/ ١٥٦ والأعلام ٥/ ٢٤. (١) محمد بن محمد بن محمد بن بنان، أبو طاهر، الأنباري، المصري، ولد بمصر سنة ٥٠٧ هـ وبها =