ويمتنع بصهوته، فألفيناه قد فتح من الكبر الذي أتى عليه من أكبر باب، ووشج بينه وبين الشقوة انتساب، وهيهات هيهات ممن لم ترعه أو عار الجبال، ولا اقتحام البحار، ولا اعتساف اليباب، فساعة وصولنا ناصبناه القتال، وزحفنا إلى جلاده بالخيل والرجال، وأسقيناه ذُعافَ القراع والنصال، فنفقت يومئذ سوق الآجال، وازدحمت فيه الرجال على الرجال، والنصال على النصال، وكثر القذف بالحجارة، والرمي/ ١٨٦/ بالنبال، وفي كل ذلك لم يمس أولياءنا قرح، ولا تخطى صفقتهم ربح، بل كان النصر من أول صدمة صدموها، والظفر لأوليائنا على أعدائنا على العادة التي ألفوها وعلموها، وناجزنا الشقي غير البعيد، وأريناه العذاب من غير وعيد، وأذقناه ومن معه حرّ الحديد، وأنزلنا بهم بأسه الشديد، فلما رأى من أمر الله ما راعه وأهاله وضاعف حزنه وأوجاله، لم يجد في التماسك مطمعًا، ولا قال قائل له من عثرته لعًا، فقال بلسان حاله لنفسه الخبيثة: أيتها النفس اجملي جزعًا (١)، فغصت لهواته بالحمام، وقرعت ظنابيبه جنبك الحسام، ووطيء بلده الجيش العرمرم، وشفى أوامه منهم حتفه اللهذم، وحصلنا الذخائر والأموال والعدد والأثقال، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة، والأنعام بما يضيق على رحب المكان أرضه، وفي أسرع من كسر الطرف، لا بل أقرب من لمح الطرف، ملأ الله الأيدي من طارفهم وتلادهم، وأعاد إلى القلة والذلة وافر أعدادهم، فاقرؤوا هذه البشرى في نواديكم، وابعثوا بها نسخًا إلى بواديكم. واشكروا الله على هذا الفتح الذي نظم شمل البشر، ونثر سلك المكر والشر فالشكر مفتاح المزيد، وعنوان الخير العتيد، وتيقنوا أن حبل الله هو الأقوى، وأن العاقبة للتقوى.
ومنه قوله:
وأمرنا أن تأخذوا في محو هذا الحصن من ديوان الوجود، وأن تنزل به أم المنايا السود، ثم إذا أتممنا بمنّ الله هذا العمل المفضي بقوة الله إلى بلوغ الأمل، نأخذ في الإياب، ونسرع في الانقلاب.
ومنهم:
[[٦٢] أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي البركات السلابحي]
قدم مصر، وأوى إلي، وثوى حوالي. وبقي برهة أنيس وحدتي، وجليس مودتي،
(١) شطر بيت لأوس بن حجر. وعجزه: إنَّ الذي تحذرين قد وقعا.