وكان ظريفًا، في هيئته، لطيفًا بخلاف فئته، وكان الموسيقى جلّ ما يعرفه، وقل أن لا يألفه، قال لي: إنه من أهل بيت توارثه بنوه، وتدبره بعد جده أبوه، وأنهم أهل انقطاع ما منهم من خدم السلطان في منصب، ولا زاد منه جنى مجدب ولا مُخصب، أتى حاجًا، وقضى نسكه، ومضى على أثره، فما استطاع أن يسلكه، فأقام بالقاهرة، ثم تعرّف بي، ثم تحول إلى قربي، وتأكدت بيننا المعرفة، حتى صارت صحبة، ثم سارت به قدمه إلى حيث قضى نحبه، بلغني أنه مات بقابس وحبسه بها للمنية حابس، وكان له في الأدب مشاركة ما قصر فيها ولا طال، ولا وصف فيها سحابة بجهام ولا هطال، وكتب إليَّ:
رضي الله عن السيادة السنيّة، والمجادة السرية المطيرة السحابية، الخطيرة الشهابية، العليّة العمرية، نسب يجرّ على المجرة ذيله، ويجري في ميدان الافتخار نجبه وخيله، جاز مجلّيًا خصال سبقه، وجاز مواليًا أكارم غربه وشرقه، ومن ادعى الجمع، ففاروقه يثني على تحقيق فرقه روضة علم وآداب، يربي بطرفها على علم الزهري (١) وابن داب، وتبين فتاويها الحق، ويطري أياديها الكرم الذي بينه وبين البحر فرق، وما بينه وبينه فرق، وصلى الله في العز الممدود بنمو قدره، وأجلّ في سماء السعود نمو بدره، وبعد، فلما تنسم عندكم نسمات هذه الخمائل، ويعرف من شمائلها ما اشتملت عليه من لطافة تلك الشمائل، أراد الله أن نتقرب بمدحة مسكية نسماتها، شمسية قسماتها، أعطافها أغصان وأردافها كثبان ووجناتها تجني القطوف بستان، يمدح بها فتى قريش، وابن كهلها، وواحد الدنيا وابن واحدها، هكذا جدًا بعد جد. بين أهلها، وأكملها جودًا وأسعدها جدودًا، وما أنا يا سيدي - أدام الله نصرك وأعلى قدرك - في الهذر والضجر إلا جالب التمر إلى هجر، ولكنني رددت البضاعة لمبضعها، والأمانة لموضعها، إن أحسنتُ، فارتضاؤكم يظهره ويبديه، وإن أسأت فإغضاؤكم يستره ويخفيه.
وكتب معها إليَّ قصيدة من غزلها مما افتتحها به من أولها:
بادر إلى الروض الأنيق الزاهر … واسرح بلحظك في رياض أزاهر
مع سوسن راق النهى كأنامل … قبضت على تبر بها متناثر
(١) الزهري: هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري أحد فقهاء المدينة وحفاظ الحديث فيها، توفي سنة ١٢٤ هـ. ترجمته في وفيات الأعيان ٤/ ١٧٧ وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦.