[[٦١] أبو عبد الله، محمد بن عبد الواحد العقيلي اليبري]
من ولد عقيل بن أبي طالب ﵁، كان قد بلغني صيته، ثم سوّغني الدهر أني لقيته، فرأيته عذب الجنى، حلو المنى، إلا أنه ذو مخاريق يخلب بها العقول، ويسلب بها صرة الدرهم المعقول، أمور أعلمها الأغراب، وتعلمها من مكر الغراب، وراوغ بها مراوغة الثعلب، وغاور في طلبها مغاورة السلوقي للأرنب، قدم مصر بوفرٍ من البلاغة عميم، ووقر من الأفك ما منه ومن أولاده به إلا عليم، وسحر سحروا به أعين الناس، واسترهبوهم وخلوهم في وسط بيوتهم وسلبوهم وأتوا من ذهب الأدب ما يثرى به كل عديم، وخلطوا بيانهم بالمخاريق فجاؤوا بسحر عظيم.
حدثني أنه كتب لأبي علي عمر بن السلطان أبي سعيد، وأنه غمره بإحسانٍ ما عليه مزيد، وبقي معه حتى ظفر به أخوه السلطان أبو الحسن علي، وأسكنه قيد ثلاثة أذرع من البيد، وأمسك العقيلي هذا واعتقله، وثقفته بالحديد، ثم أمر بتسريحه وأطلقه من معتقل ظنه باطن ضريحه، وأطبقه في التراب تحت صفيحه، ثم استكتبه في إنشائه، واستصحبه لقرب قليبه وطول رشائه، لأنه رجل خلق من أدب لا يتكلفه، ولا يعده موعد فيخلفه، وحضر معه فتح تلمسان، وكتب في بشائرها، وأتى بغرائب في عجائب بلادها وعشائرها، ثم خرج حاجًا، وركب ثبج البحر، فغرق ما معه ونجى ببدنه. وأتى ولا شيء معه سوى فنون أفنه، وأول ما دخل القاهرة. وأتى إليّ، ونزل في دار كان فيها جاري، وتردّد إلي لسماع ما بلغه في المغرب من أشعاري، وكان جمّ الاستحضار، إذا حضر جل عن الحضار، وإذا سابق جد في الإحضار مع أدب طري كأنه برود عبقري.
وكتب إلي مع قصيدة:
أبديتها - أعلى الله قدرك - خجلًا، وأهديتها عجلًا، وفضلك يشرفها بالقبول، والاعتناء المبذول، فقبولك لها يشنف آذانها، ويلحق بزهر النجوم حوذانها، على أنني في وصف حلاك، ونشر علاك، كمن كاثر البحر بصبابة، وكابر الليث بذبابة، ولكن فضلك يصفح ويغضي ويسمح، أبقاك الله سننًا للمتقين، وسندًا للمحتفين، وأدام علوك، ووصل ارتقاءك وسموّك، والسلام البهج النشر الأرج النشر، يختص كمالك، ويعتمد جلالك من معظم قدرك، ومنظم قلائد فخرك، فلان، ما أعريت من لين الغصن حركاته، ورحمة الله وبركاته.