الذي يسلب الحميا نشوتها، ويحلّ مع الثريا نجوتها، فأما تشوّق ذلكم الإخاء لمواصلة الكتب بسار الأنباء، فإن من أقربها وأغربها، حديثًا تهادى وتهدي ما كان من أمر العاق، قاتل أبيه الحال من إقليم تلمسان وما إليها بالمحل النبيه، وذلك أن أسلافه بني زيان كانوا قد استولوا على هذه المدينة في سالف الزمان، ولم يزل بينهم وبين أسلافنا المحتوين على ملك المغرب الأقصى مواقع توردهم الحمام، وتذيقهم الموت الزؤام، فيدعون المنازعة، ويعودون للموادعة، ثم لم يلبثوا الذين سكنوا، ولم يصبروا أن يغدروا، إلى أن كان من حصار عمنا المقدس المرحوم أبي يعقوب قدس الله تربته أتاهم فأكثر موتهم وكدّر محياهم، وتمادى بهم الحصار تسع سنين، وما كانوا غير شرذمة قليلين، وهنالك اتصلت بينكما المراسلة، وحصلت الصداقة المواصلة، ثم ختم موته، وتم فوته، رحمة الله تؤمه، ورضوانه يشمله ويعمه، تنفس خناقهم، وعاد إلى الأبدار محاقهم، وصرف إليهم القائم للحسن ما كان هو رحمة الله تعالى قد طوّعه من بلاد مغداوه وبحس فاتسعت عليهم المسالك، وملكوا ما لم يكن فيه لأوائلهم من الممالك، لكن إنما هذا الحائن وعمه كانا من أسأرته الفتن، وعمرته بها عوام المحن، وملكًا ملك أسفلاهما في إذاعة المهادنة، والروغان عن الإعلان والمعاينة. ولما سوّل الشيطان لهذا العاق قتل والده، والاستيلاء على طارفه وتالده، لم يقدم عمه على أشخاص إرساله بحضرة مولانا المقدس المرحوم أبي سعيد قدس الله مثواه، وجعل الجنّة مأواه في السلم راغبًا، وللحكم بموادعته طالبًا، فاقتضى النظر المصلحي حينئذ موافقة عرضه، وإن كان باطنه مطويًّا على مرضه، فقوض أمره وضرى ضره، وسرى شرّه، ( .... )(١) الزمان جمره، وسرى إلى بلاد جيرانه الموحد (٢) رداؤه. وطال عليهم تضييقه واعتداؤه، واستتبعه ضعفهم عن مدافعته، ووهنهم عن مقاومته ومنازعته، فبغى وطغى، ولم يدر أنّ فوقه سحب السماء إنما باطن جماعة من عرب إفريقيا المعدين وبعض من يحدث نفسه بالانتزاء على ما بين المعتدين فجروه عليها وجروه بمثل الأطماع إليها، وأقام عشرين سنة نشر على بجاية الحصار ويشنّ على أحرار تونس المغار، حتى كان من تغريمه جيشه لصاحبها ما كان.
ومنهم:
(١) كلمة غير مفهومة. (٢) كذا في الأصل .. ولم أجد لها وجهًا.